* الرياض - الجزيرة: أكد الدكتور عبدالعزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة - إيسيسكو-، أن الحضارة الإسلامية امتازت بخصائص ومميزات انفردت بها الحضارات الإنسانية المتعاقبة، استمدتها أساساً من المبادئ الإسلامية التي منها انطلقت، وبها سادت في الأرض، وشعّت أنوارها في الآفاق، وأغنت الإنسانية بما آمنت به من قيم سامية ومثل عليا، وبما أنتجته من إنجازات، وبما حققته من رقيّ وتقدّم، وبما أبدعته من علوم وآداب وفنون، وبما كان لها من آثار تغلغلت وامتدت في التاريخ البشري، منذ بزوغ فجرها، وعبر الحقب المتطاولة.وقال في بحث له عن الوقف الإسلامي وتعزيزه للروابط الحضارية والمعرفية بين المسلمين وغيرهم في مؤتمر الشارقة حول الوقف الإسلامي والمجتمع الدولي الذي افتتح أعماله أمس، إن أخصّ هذه المميزات الفريدة التي جعلت من الحضارة الإسلامية حضارة إنسانية في المقام الأول، الوقف الذي هو نظام من نظم البر والإحسان وإنفاق الأموال في سبيل الله، فيما يفيد المجتمع، ويلبي حاجاته ويحقق له التقدم والازدهار، بتقوية وشائج التكافل الذي من معانيه أن يكفل القادر أخاه غير القادر، ومن مقاصده إشاعة الحب والإيثار في المجتمع، وتعزيز أواصر الأخوة، وتحقيق الترابط والتقارب والتمازج والتعايش الراقي بين أبناء المجتمع الإسلامي الذي يشمل المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات والعقائد والمذاهب التي تعايشت في البلدان الإسلامية، وكان لها إسهامها الذي لا ينكر، في بناء الحضارة الإسلامية. وأضاف قائلاً: إن للوقف الإسلامي خاصية حضارية راقية المحتوى والمضمون والغاية، وهي فريدة من نوعها، كان لها التأثير القوي في ازدهار المجتمعات الإسلامية اقتصادياً وعمرانياً وزراعياً واجتماعياً، وفي تقدمها علمياً وفقهياً وأدبياً وثقافياً من النواحي كافة، وهو حقيقٌ بأن يكون موضع بحوثنا ودراساتنا في ضوء ما استجد في مجتمعاتنا من تطورات ومتغيرات، وما تعرفه من تدافع بين الأصالة المتمثلة في الموروث الحضاري الثقافي الذي لا يتعارض مع الثوابت، وبين المعاصرة التي تقتضي الانفتاح على مستجدات العصر الذي نعيشه وننتمي إليه. وأوضح أنه ليس الغرض من إعادة القراءة في تشريعات الوقف ونظمه، مجرد الدراسة الأكاديمية لموضوعات تاريخية من قبيل إشباع الفضول العلمي، وإنما القصد هو البحث الجاد عن صيغة عملية ملائمة للعودة إلى الانتفاع بنظام الوقف في النهوض بمجتمعاتنا، وفي تطوير حياتنا المعاصرة بتوظيف نظم حضارتنا الإسلامية في تسيير شؤوننا، وتدبير أمور معاشنا، وتحقيق النمو والتقدم والازدهار لبلادنا. وقال: إن الدور الرائد الذي قام به الوقف الإسلامي في الماضي، جدير بأن يتجدد في عصرنا وفي الأزمنة القادمة، ليؤدي رسالته في تنمية المجتمعات الإسلامية، وفي تعزيز الروابط الحضارية والمعرفية بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانات والحضارات والثقافات الأخرى. وبعد أن أوضح أن (تعزيز الروابط) في حدّ ذاته، عملية حوارية، يؤدي فيها الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان، الدور الرئيس، تساءل كيف يمكن أن يكون للوقف الإسلامي أثر في هذه الدائرة من دوائر التواصل بين المسلمين وغيرهم؟ وأشار إلى أن الحوار هو ثمرة النضج الثقافي، وهو لا يصدر إلا عن مجتمع ثقافي ارتقت فيه التربية والتعليم، ونما فيه الوعي الحضاري، حتى أصبح الإنسان المتحضر ميالاً إلى إقامة أواصر التعارف (بالمعنى القرآني للتعارف)، مع المجتمعات الإنسانية جميعاً، وهذا المجتمع الراقي ثقافياً وتربوياً، لا ينشأ إلا في بيئة يزدهر فيها التعليم، وتصبح التربية فيها حقاً مشاعاً للجميع.وقال لا مشاحة في أن الجهود التي تبذلها الحكومات اليوم في مجال التربية والتعليم قاصرة عن الوفاء بمتطلبات النهضة المنشودة، لمحدودية الموارد، ولأن الإنفاق على التربية والتعليم، أصبح يثقل كاهل الموازنات الحكومية، مما بات يشكل أزمة أخذت تتفاقم في بعض الدول، بما فيها الدول ذات الإمكانات والموارد. وتوقع المزيد من تفاقم أزمة الإنفاق على التربية والتعليم في المستقبل. وتحدث عن الدور الكبير الذي يمكن أن يقوم به الوقف الإسلامي في التخفيف من الأعباء الباهظة التي تتحملها دول العالم الإسلامي، وقال: إن الأمر في حاجة إلى توعية وتشجيع وتحفيز وإلى تأمين الظروف الملائمة التي تدفع القادرين من المسلمين إلى التبرع بأموالهم ووقف ممتلكاتهم العينية والمادية على الإنفاق لفائدة التربية والتعليم.
|