من لا يتعامل مع الحقائق بنفسها ولا يقر بأبعادها ونتائجها، عليه أن يقصي نفسه من واقع هو من يقرأ حالاته. والحقيقة الكبرى، وهذا هو الواقع الآن، أن الولايات المتحدة كأكبر وأقوى دولة في العالم، هي من يدير هذا العالم بلمسة زر أو أسرع من تفاعل الريموت كونترول، لتستجيب لها جميع القوى وتصغر أمامها المكابرة. ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 ونحن هنا نعاني ويلات الإرهاب المحلي، وتهمته الخارجية ولعناته الكثيرة، وعلى جانب هذه المآسي ظهر حشد من الأصدقاء والأعداء، ومن كانوا يفضلون إلقاء الزيت على النار لتعتيم وتشويه سمعة السعودية من جانب، وشحن مواطنيها وإعلامها من جانب آخر. وكلنا يدرك المغازي الكثيرة للبرامج الإعلامية بصناعة عربية عربية أو عربية مهاجرة معظمها كان يقتات على حلم انهيار الثقل الذي تتمتع به المملكة، وكان من أسف أكثر أولئك المشيعين يضخمون الصورة القاتمة لبعض الآراء المحتقنة، وخصوصا ضحايا سياسة هذا الإعلام الهادم، ولا ينسون أن يكملوا المهمة للتعليق ونقل تلك الآراء اليمينية الأمريكية المتطرفة. هذا - باختصار - ما كانت المملكة تتصدى له بازدواج، وأظنها نجحت وستنجح أكثر في مهامها التي لم تكن محلية يوما أبدا، بل كانت تنشد لاستقرارها استقرار المنطقة ككل، ومن هنا يجب أن يعترف البعض بالحقائق كاملة، وزيارة سمو ولي العهد للولايات المتحدة حالياً هي أكبر شاهد لمنطق السعودية، وأنها تفضل سياسية العد إلى العشرة قبل البدء في التهور، وهي ومن دون اكتراث توجه صفعة لمن يراهنون على سقوط دورها وأهميتها ويحاولون تهميشها بدءا بتلك الألعاب السياسية الصغيرة التي شهدنا فقرات منها. إعادة ضبط العلاقات السعودية الأمريكية إعادة للتاريخ إلى نصابه، وهي المصالح المشتركة كما هو ديدن السياسة وعاملها الأهم، وقد ترجم سمو ولي العهد الحكمة المتوارثة في السياسة، وتعاطى معها كما لو أنها أتت كما نريد جميعا وكما يريد محبو التوازن والاستقرار، لا هواة التسلق على التاريخ واستعارته بالقوة، ورغم كل شيء، تبقى الحقائق كما هي من دون خدش أو تحريف، وهذا هو المهم.
|