تطويق العنف العراقي

انتظر العالم حكومة جديدة في العراق لمواجهة العنف المتصاعد ولإعادة ترتيب الوضع المضطرب ولتصريف شؤون البلاد بصفة عامة، لكن بدلاً من التفاؤل بقرب ذهاب الفوضى العارمة فإن الطريق إلى الحكومة الجديدة بدا محفوفاً بالمخاطر، كما بدا أن سجلات الأحداث ترصد وقائع وهجمات يومية أكثر مما مضى بكثيرٍ، فالتأجيل المتتابع للتشكيلة الوزارية أسهم مع غيره من عوامل في تكثيف الصورة الدموية التي تسيطر على العراق من أقصاه إلى أقصاه..
والآن هناك قدرٌ من التفاؤل مع الأنباء التي أشارت إلى أن رئيس الوزراء العراقي أنجز التشكيلة الوزارية الجديدة، ومن المنتظر العمل على إقرارها من قِبل الجمعية الوطنية، ومع ذلك تبقى أهمية إيراد السلبيات الكثيرة التي صاحبت التأجيل المتواصل لإعلان الحكومة من أجل تفاديها في أي تغير للظروف مستقبلاً..
فالفوضى في الشارع هي، في جانب منها، انعكاس للتخبط بين الذين يفترض أنهم يشرفون على كامل الشأن العراقي، كما أن الخلافات حول التشكيلة الوزارية، عملت من جانبٍ آخر على تغذية تلك الفوضى، باعتبار أن الجماعات المسلحة سواء كانت معارضة أم مجرد عصابات تصطاد في الماء العكر تحاول تكريس نفسها كبديل لسلطة حكومية ذات نفوذ، طالما أن هذه السلطة تستعصي على الظهور..
ومن ثم فإن استمرار الخلافات على الوزارة المرتقبة من شأنها فقط ترسيخ ذلك الواقع المرير في الشارع، بل وإذكاء نيران العنف بسبب غياب هيبة السلطة التي يفترض أن تباشر مهامها الطبيعية ومن أولها فرض الأمن..
ومنذ الثلاثين من يناير الماضي تدور المشاورات من أجل توزيع الحقائب الوزارية، و لابد أن يكون لهذه العملية، خصوصاً بسبب استغراقها وقتاً طويلاً، انعكاساً على الشارع العراقي، وهو ليس مثل أي شارع لأنه شديد الحساسية ولأنه متخم بكل أنواع السلاح ولأنه يفتقر لمنهج للحوار ما يعني أن اللجوء للسلاح يكون أول ما يخطر دائماً، على بال الفرقاء، وأن الرسائل التي تأتي من قاعات الحوار المغلقة حيث تدور المساومات بشأن التشكيل الوزاري يتم ترجمتها إلى تراشق بالنيران والقذائف في مختلف الساحات..
ومن ثم فإن الاستغراق طويلاً في شأن توزيع تلك الحقائب الوزارية يعني صب المزيد من الزيت على نار الخلافات المتأججة أصلاً، وبدلاً من ذلك فإن الوصول إلى وفاقٍ سريع بين السياسيين سيكون من شأنه تهدئة الأوضاع وربما إحلال صورة جديدة على ذلك الواقع المزري، خصوصاً إذا ما واجهت الحكومة الجديدة الأولويات بصورة حازمة يمكن أن تعيد الهيبة المفقوة للدولة..
غير أن عودة الهيبة تفترض أولاً أن تكون الحكومة الجديدة هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في كامل الشأن العراقي، وسوف يكون من الخطأ أن تظهر قوات الاحتلال بذات الشكل الذي ظهرت به منذ دخولها العراق باعتبارها المحركة لمعظم الفعاليّات الإدارية الحكومية..