طبيعة الحياة أن ينتشر في كافة أرجائها مقومات تضفي عليها معانيها التي وجدت من أجلها بقدرة من موجدها، ويأتي الإنسان في مقدمة هذه المكونات لما له من هبة منحها له الله دون سواه، نظراً لما يتمتع به بنو البشر من إمكانات رصدت معه منذ بزوغه على هذا الوجود. فمنذ أن خلق الله هذا الكون والإنسان هو الأساس والمحور الرئيسي لهذه الدنيا الوسيعة، كيف لا وهو الذي لديه الصفة التي يتجلَّى بها وهي التي لم تقدم لغيره. ويبقى الدور الذي أنيط به هو المتعقل في حسن تدبره وفقط عليه الجهد (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) ، فالمطلوب هو التقيد باتباع الأوامر واجتناب النواهي التي فيها مرضاة للرب الذي أمر بذلك واتباع الإرشادات النبوية التي حثَّ عليها نبي الهدى والرحمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وجميع الإنس هم صور ذكريات لهذه الحياة، والسعيد من اتعظ بغيره، ولكل واحد ذكرى، والذكرى ظلال للإنسان وكما قيل فإن الذكرى عمر ثان. ومنذ أن عرفت الحياة إلا وعليها أناس تأتي وأخرى تذهب، هذه هي الدنيا قدوم ومغادرة ومجيء ورحيل. وهذا ابتكار رباني هدفه القدرة على الإبداع والتغيير بين مخلوق وآخر والجميع لديه سواسية ولكن الفرق في الألباب. وهذه الميزة هي التي نقلت منزلة الآدمية عن غيرها. ومنذ انطلاقة أبينا آدم ومن جاء بعده حتى عصرنا هذا والإنسان هو المستخلف وفي صراع مع الحياة، فما بين الإنسان والحياة سفينة راسية وبحر عميق ليس له أول ولا آخر تصاحبه موجات زمنية ومتغيرات أجواء قدرية، وفي جوانبه شواطئ خضراء ممتدة والسفينة مهما بلغ وزنها وقوتها فهي معرضة للتلف والاختلاف، ومهما حصل فإن السفينة الأصلح حتى وإن عدمت وعطّلت فهي ذات إسهام عال. هذه حكمة الحكيم المنان جلّت عظمته، وهذا طريق لا مناص منه وليس فيه اختيار ولكن الأهم هو التقيد بفهم هذا الطريق والتزود منه خطوة خطوة والأخذ بالتبصر حتى لا يكون هناك ضياع وإحباط. وكم من إنسان سار بنهج سليم وكسب وعرف، وكم من إنسان أيضا تلخبط وتاه وخسر، ولكن لا يأس من رحمة الله. أما الذكرى الطيبة في هذه الحياة بين الناس فهي الثروة الحقيقية التي لا تعادلها أية ثروة أو كنز، وهي ما يتخذها أي شخص تجاه نفسه وعند غيره مما يتوافر لكل فرد من حسن خلق وأواصر محبة ومقدار لدى الغير والتعاون والوقوف والمساعدة مع الآخرين والإكرام في كل شيء مع الكل، وهو بذلك يتحلى بهذا الذكر وهذا الواجب على الجميع وكثيرون رحلوا من هذه الدنيا ولم يأخذوا منها إلا قطعة قماش، ولكنهم خلفوا ثروة ليس لها حساب وتركوا نقطة بيضاء تسر الناظرين وبقيت ذكراهم العطرة التي ستبقى رائحتها تفوح في أماكنهم التي رحلوا عنها وسيرتهم ستظل محفورة عند غيرهم. هناك من يفتخر بأعزاء لديه ابتعدوا ولكنهم لا يزالون قريبين منه، وما كانت هذه الكلمات إلا واحد منهم. فهناك الكثير من المعارف سواء علاقتهم قريبة أو بعيدة، لهم مكانتهم الرفيعة وذكراهم الطيبة فعلى رأس هؤلاء الأحبة يبقى الذي ميزانه من ميزان الخالق جلّ وعلا، ميزان له كفته، ليس معه إلا كفة واحدة، هذه الكفة التي ترجع إلى كفات أخرى من أغلى الغاليين عندي ومكانته متربعة في قلبي، أجل هذا هو أحد المسببات الرئيسية في احتضان هذه الحياة لي. هو أحد مشتقات اسمي، هذا هو والدي الحنون الشفيق، الوالد الطيب الحريص، نعم.. والدي محمد بن علي بن صالح الفوزان رحمه لله وجعل قبره روضة من رياض الجنة والذي أدين له بالفضل الكثير بعد الله في كل شيء في حياتي. فأبي كأي أب يهتم بابنه، ولكن ما أحسه أن أبي قد يختلف عن أيّ والد آخر. أعترف أنني لم أقدم له حتى ولو الشيء البسيط ومقصِّر في حقه تمام التقصير ولكنني لا أملك إلا الدعاء له. وأتذكره دائماً منذ رحلته التي رحل معها والتي شارفت على العقدين أي مدة قريبة من العشرين عاماً ويصاحبني على أثرها أمر تعجُّبي.. كيف هذه المسافة الزمنية، فلحظة وداعه أترقبها من قريب والأسى يتعمق داخل كياني والدمعة متحجرة وسط عيني، وفي التمعن في لفتة لمنظر الجنازة المحمولة على الأكتاف وليس لصاحبها قدرة في حملها لما لها من معزة فائقة وحادثة الرهبة والمصاب أبعدها رغم محاولة إسهام محب لحبيبه ولكنه حاول الركض خلفها واتباعها في ذلك المصلى، وبعد ذلك المشهد الأخير وهو التشييع لهذا الرجل الطيب الذي تبعه الكثير والكثير في ذلك الزمن البعيد القريب. أعتز أن لوالدي مكانة كبيرة عند من أعرف ومن لا أعرف وكثيرون هم الذين يعرفون سمات هذا الرجل الفاضل الزاهد المحب، فتاريخ العقيلات حافل في سيرة هذا الرجل الذي واجه مواقف صعبة وتحديات كبيرة، وله العديد من القصص المشهورة سواء في رحلاته أو في غيرها ولعل ما شهدته إحدى أسفاره من بلد إلى آخر حيث قطع رحلته في زمن قياسي يندر مثيله في ذلك الوقت وكذلك عند المواقف الرجولية ويأتي من هذه المواقف ما وقع له أمام أحد الكبار وما حصل له وكيفية ذكائه في التعامل مع هذا الموقف. وفي جوانبه الإنسانية له مساندات يساند مع البعيد والقريب ومع تكرمه فقد كادت أن تقضي حياته في يوم ما مع أحد كان له مساعدة له وحسبي أن خبرتي في الحياة آنذاك لم تكتمل فيها بعض من الجوانب التي تتطلب مني التهيؤ في الدخول لمعمعة الحياة بشكل كبير ولكن عزائي أن كنت بجانبه حتى ولو بالشيء البسيط وكنت قريباً منه حتى وفاته رحمه الله في ذلك الزمن. لوالدي أوراق كثيرة وكبيرة ولكن أقول: رحمة الله عليك أيها الوالد العطوف وجعل ما قدمته في ميزان حسناتك وأن يحشركم مع الأنبياء والصالحين في مقعد صدق عند مليك مقتدر وكما ذكرت مسيرة والدي فإنني أثني ولا أثني على الله شيئاً الطائفة الموجودة داخل هذه الأسوار على متن هذه الساحة التي تتخذ من هذه الواحة الخضراء (ضاحية خضيراء) إحدى ضواحي بريدة كائنات جامدة أحبة قضوا نحبهم من زمن قديم وهناك من قريب وفي غيرها من مناطق أخرى، فهناك الأجداد وكذلك الأعمام إبراهيم الفوزان وكذلك العم محمد بن عبدالله الفوزان الذي توفي قبل سنوات قريبة وتبعه ابن العم عبدالرحمن فوزان الفوزان وكذلك عبدالرحمن بن صالح الفوزان وقبلهم غيرهم أحدهم خليل بن عبدالله الفوزان وقريبه عبدالله الجاسر. ولعل ما حصل قبل عدة شهور علي السليمان الفوزان وبعده الشيخ عبدالله بن محمد بن صالح الفوزان رجل التقوى والصلاح المحب العلم والدين والمحب للبعيد والقريب فهؤلاء من الخيرين الطيبين والحال تنطبق على فئة أخرى وأعني نساء عزيزات من عمات لهن قيمتهن الغالية وما كنا عليه في حياتهن من محبة صادقة وما يكنهن من تقدير واحترام متبادل من الجميع. وأيضاً هناك من هو خارج هذه الأسوار سواء داخل بريدة منهم العم الصالح الطيب الذكر البسيط عبدالله بن عبدالعزيز السماعيل هذا الرجل الذي كان ملازماً لأشقائه الموجودين والغائبين فكان ذا صلة رحم وحاثا على الصلاح من خلال عمله في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مدينة بريدة أو خارجها في الرياض وهناك الكثير من جماعتي وأقربائي لهم مكانتهم الكبيرة وصورتهم المشرقة ويأتي منهم العم عبدالعزيز بن عبدالله الفوزان الذي واجه الحياة بكل جد وصبر رغماً مما يواجهه من بعض المتاعب الحياتية، وهذا الشاعر المعروف المرموق محمد السليمان الفوزان صاحب ديوان (أحكام وأشعار ليس فيها شيء مستعار) يغادر هذا العالم إلى العالم الآخر. وكانت له قصائد كبيرة قد خاطب في شعره نواحي عدة ومنها مكانه الذي ينتمي إليه وبعض الآثار ومنها (بئر القليب المشهور ببريدة وغير ذلك من الكلمات التي كتبها وأمعن في إبداعها). وهناك الكثير من الأعمام وأفراد الأسرة والجماعة الذين ودعوا هذه الحياة وتركوا مكانتهم الكبيرة وذكراهم الطيبة. رحم الله الجميع من أعمامي وأقاربي وحفظ البقية وأصبغ عليهم الصحة والعافية.
|