Tuesday 7th May,200511909العددالثلاثاء 28 ,ربيع الاول 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الثقافية"

سيميائية الريح في ديوان خائنة الشبه ل (حسن الصلهبي)سيميائية الريح في ديوان خائنة الشبه ل (حسن الصلهبي)

* الإمارات العربية المتحدة - العين - إيمان الشنيني:
في ديوانه (خائنة الشبه) يرث الصلهبي قلق المتنبي ممتثلاً ب(على قلقٍ كأن الريح تحتي)!
كيف لا وقلق الريح يتأجج في ثنايا خمس عشرة قصيدة على مدار الديوان الذي يضم عشرين قصيدة، ان لغز الريح في الديوان يغري قارئه بمحاولة كشف سر هذه الإشارات الكثيفة والمتعددة وما تفيض به من دلالاتٍ ومعانٍ في القصائد. وهذا ما تحاول هذه القراءة تقديمه..،،
حمل الصلهبي الريح دلالات متنوعة وخلع عليها صفات لم نعهدها لها من قبل، ووظفها في فضاءات مبتكرة تنهض كل منها بوظيفة دلالية وجمالية ووجدانية خاصة بها تنسجم ورؤية وأجواء كل قصيدة، وما يلفت النظر في هذه الإشارات للريح هو شيوع انسنتها فالريح عنده (تمسد - ترتدي - أذرع الريح - أفخاذ الريح..) ان كل هذه الإشارات تعلي من قيمة توظيف مفردة الريح عن الصلهبي وتمنحها دوراً فاعلاً في النصوص، مما يجعلها ذات نكهة خاصة لا تصدر إلا عن إبداع خلاق وفذ، حتى شكلت هذه الإشارات ظاهرة جديرة بالتأمل والتوقف حيالها بالتحليل والقراءة.
وتلتف إشارات الريح حول محورين تتناوب عليهما الدلالات وتشكل ثنائية مميزة هي ثنائية (القلق - السكون) أو (التأزم - الحل).
وهي ثنائية متكاملة وموظفة فالريح التي تستدعي القلق وتنبثق في لحظات الصراع والتأزم، نجدها في مواطن أخرى تتخلى عن دلالتها السابقة لترق وتعذب وتفيض حناناً، مما يجعلها بمثابة معادل للحالة الشعورية التي تسيطر على كل نص. وهذه الثنائية لا تتضح في المعنى فحسب بل يؤازرها البناء الموسيقي الخارجي للقصائد إذا ما علمنا أنه في مقابل كل هذا القلق الذي يستوطن الديوان فإن أغلب القصائد التي تحمل إشارات للريح بُنيت على قافية ساكنة! إذن فالصلهبي مبعثر بين القلق والسكون!(1).
1- إشارات الريح = القلق - التأزم
تكتظ قصيدة (شهوة النار) المحاطة بجو من التوجس بدلالة هي الأكثر التصاقاً بالريح وهي (القلق) والاضطراب، وهي صورة أصيلة في الموروث الشعري العربي، فنقرأ:
(تأتي التآويه
موج (الريح) مصطفقة
تكاد تفرغ ما في جوفها الورقة
أنا من الغيم،
من بطن السماء
ومن صلب التراب،
لماذا أحرفي قلقة؟)
هنا تأتي إشارة القلق صريحة.. سافرة، فالريح (مصطفقة) وهي حالة توتر شديد وتضارب باعثها قلقٌ يتلظى كالنار ويحتدم في جوف الشاعر، هذه الحالة لا تسلمه إلى اليقين لذا يخرج منها عبر سؤال ثقيل لا ينتظر له جواباً.. فيغرق في تفاصيل أرقه حتى ختام المقطع الأول من القصيدة.
وفي المقطع الموالي له تتلون الريح على هيئة أخرى لكنها لا تخرج عن ذات الإطار:
(أخشى على الشعر
أن ينسلّ من جسدي جنونه
ناثراً في قبحهم عبقه
لأن حمى أبي تمام تسكنني
أسابق الريح
والأحلام مختنقة
أسقي جذوري
جروحي،
من زلال دمي
لم يبق للعشب إلا الضحكة الترقة).
رغم كون تعبير (أسابق الريح) تعبيراً مألوفاً إلا أن وجوده في هذا السياق يكسوه بمعانٍ جديدة، فالريح هنا تبدو كائناً ثقيل الظل يريد الشاعر الفرار منه وإقصاءه للوراء، في محاولة للإفلات من أذرع المجهول وقبضة القيود.. الريح قلق يريد الشاعر تجاوزه لتتنفس من بعده الأحلام. فحيثما تكن الريح يكن ثمة صراع يطحن الشاعر ويعوقه عن أحلامه.
وتتضح العلاقة المتلازمة بين القلق والريح بشكل قوي في قصيدة (عنق الزجاجة)، فكل منهما تستدعي الأخرى:
(قلق أنا - كبح الزمان جماحي - أنا لا أطيق بأن تصدّ (رياحي)، - متشبث بالمدّ.. - أفرغ شقوتي - لكنّما تغتالني أفراحي - اشدو - اهدهد نقمة الناعي بأندائي - واشرع في الفضاء جراحي - اصغي لصوت (الريح)- أعلم أنني - حين استرقت - تكسرت ألواحي)
كلما كان هناك قلق كان ثمة ريح تعوي.. فهنا نرى الشاعر في مواجهة قيود وعقبات تكاد تخنقه.. ونلمح الرغبة بتجاوز هذا الصراع مما يضرم توتراً كبيراً بداخله جعله يصرح بهذا القلق في المفتتح وفي ثنايا النص، حيث نجد عبارات (قلق أنا حد الجنون) (قلق أنا قلق) إن هذا الضغط أو الصراع يصبح دافعاً ومحرضاً للخروج من (عنق الزجاجة) ولابد لهذا من سبيل.. فكانت الريح (اصغي لصوت الريح) الريح: إشارة للتغير الملح الذي معه يمكن تحطيم القيود وتخطي العقبات. وتمتد الدلالة وتتسع في قصائد أخرى، فطالعنا في قصيدة (ثرثرات الغبار) الإشارة للريح:
(نواري عن الريح سوءتنا)
و (تجتاحنا الرياح تكشف عن قبرنا)
الريح التي هي قلق أخذ يتسع حتى لم يعد يقف عند حدود الذات وإنما اكتسح (العام - الجمعي) هنا أيضاً نصادف ضياعاً للهوية يخلّف فوضى عارمة، وأمام الإحساس بالعجز عن الفعل والانزلاق في دهاليز اللايقين تأتي الريح كإشارة للحقيقة الصاخبة المتأججة التي تنفث عنا رماد العجز رغم كل ما يحاول طمسها من هزائم ومآسٍ، فهي القلق المحرّك لسكون الموقف والباعث على زعزعة السلبية التي تغشانا إزاء الواقع المر.
ونستطيع ان نقرأ ذات الدلالة بتلونات مختلفة في عديدٍ من الجمل الشعرية، ك: جاءت الريح لتتم خرائب الذات والعالم فاصطفت إلى جوار الموت والخور مما منحها دلالة الخراب وتسليط الدمار على كل ما هو جميل وآمن:
(أليس من العقل الخنوع؟ فما هنا مكانٌ لغير الريح والموت والخور) (تباغتها ريح حرور فترتدي حماماتها ناراً وأعشاشها سقر)(2) وكذا في: (كل شيء بددته الريح لم تذر الرمل ولم تبق الجسد)(3)
وتشير إلى التأزم والفقد والغياب:
(كيف تجشم حمى الرحيل - إلى زمن لا رصيد له - سوى قريبة من ثقوب الفراغ - تجول بها الريح - والباب مفتوح..)(4)
القلق والمخاوف من جديد:
(أخافك حين تهزين جذعي - لأنك ريح)(5)
2- إشارات الريح = السكون - الحل
في فاتحة الديوان (قصيدة السواد) تكتسب الريح دلالة عاطفية إيجابية:
(ويقبع في ظله الغائبون يروون ظمأتهم من ظماه)
(تمسده (الريح) من كل صوب وتذرأ موتاً يُقال حياه)
فتنهض الريح بدور نبيل إزاء حالة الفقد والتيه التي يمثلها السواد، تتمثل في كونها يد حنونة تمسد جنبات السواد وتحيط به لتخلق توازناً بين قسوة الضياع وبين الطمأنينة التي تجسدها الريح هنا.. وبذلك تفتح كوة تسمح بمرور بصيص ضوء يدحر سوداوية الإحساس بالتيه. انها هنا ريح طيبة تدخل ضمن محور السكون في الثنائية التي أشرنا إليها آنفاً.
وفي موطن آخر من قصيدة (شهوة النار) يحدث تحول على مستوى الدلالة لإشارة الريح، يتلاءم مع تنامي فكرة النص:
(أسير..
يغرِقُ مائي فخذ قافيتي
وتستلذ بناري الغيمة الشبقة.
فألبس (الريح)،
أزهو ملء قامتها،
ويلبس الدهر - غيري - ثوب من سبقه
ويعرج الدرب بي
لكن لي لغة
تظل للقادم المحجوب مخترقة)
ففي مقام الزهو هذا وأمام عظمة الثقة بالذات.. يتوحد الشاعر مع الريح.. يلتحم بها.. يكونها.. ليسلط هو القلق على الآخرين.. العابرين.. المتربصين به.
حسن الصلهبي لا يترك نصوصه مغلفة بالإحباطات وهو عصي على اليأس لذا يترك دوماً مساحة يتسلل منها الفرح.. الأمل .. الثقة.. وكل ما من شأنه أن يعيد التوازن لنا بعد أن نستشعر أن كل الأبواب تكاد تكون أُغلقت.. لذا يلبس الريح.. الريح التي كانت مصدراً للقلق أصبحت طوع يديه حين أراد هو ذلك.. وأصبحت حلاً بعد تأزم الموقف وتصاعده. فاكتسبت بذلك دلالة مناقضة للقلق. وفي (دفء البياض) تطلب جو القصيدة المفعم بالأمل أن تشحن لفظة الريح بدلالات موجبة تناسب حالة النص:
(همنا اليوم أن نصوغ يوماً جديداً.. وندلي صوب الرياح شراعه)
فالرياح هنا إشارة إلى الآتي الأجمل.. ففاضت الريح أملاً في هذا البيت وأصبح لها دور أكبر وهو الإرشاد إلى حيث يكون الحاضر الزاهي الأكثر سلاماً وحباً وجمالاً.
هكذا ألّفت مفردة (الريح) علامتها المميزة في ديوان الصلهبي وإشاراتها للقلق والتأزم والتيه.. وهي حالات يفيض بها الديوان الذي هو مرآة لواقع يعتمر حقاً بها. وشكلت في منحى آخر علامة دالة للإشراق والسكون والأمل. وبهذا يؤسس الشاعر حسن الصلهبي قاموسه الخاص الذي أظن الريح أحد أبوابه الخصبة ويرسم أسلوبه المتميز في التعاطي مع اللغة واروائها من فيض مشاعره.
* هوامش:
1- تسع قصائد من الخمس عشرة قصيدة التي وردت بها لفظة الريح.
2- قصيدة : خطامك في ماء.
3- قصيدة : لاأحد.
4- قصيدة : وأخيراً سقط القمر!
5- قصيدة : غيمة البرتقال.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved