في أتون حرب السادس من حزيران 1967، وفي قعر الهزيمة العربية، تهدر إذاعة صوت العرب عبر مذيعها المتأجج عاطفة مجلجلا: قد انتصرنا!!. عقب سحق جيش صدام في الكويت وجنوب العراق يظهر القائد الهمام على الملأ معلناً بهجته المظفرة في خاتمة أم المعارك!!. بعد الجريمة الإنسانية لحادثة الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك يتحمس كُتّاب عرب وإسلاميون مبشرين ببداية النهاية لإمبراطورية الشر، ومطالبين الدول العربية وشعوبها المسكينة من بين كل شعوب الأرض بكلام عاطفي دون أدوات فعلية بالوقوف ضد المشروع الأمريكي!!. ويظهر لنا في إحدى الفضائيات جهابذة منفعلون يشتمون المخالفين ويحكمون عليهم بالتكفير أو الخيانة عبر كلام عاطفي يأسر القلوب.. كل ما مضى من أمثلة يوحي بمقدار ما للغة من تأثير يصل حد إلغاء واقع الحال.. كأن الحكم هنا هو ما يقال لا ما حدث بالفعل.. قبل ذلك بدهر صدح عمر بن كلثوم بقصيدته المفرطة في صوتها العالي وعاطفتها وجموح خيالها لدرجة الأسطورة، مما رفع قبيلة تغلب في سماء النجوم مئات من السنين. ومثله في ذلك شعراء عديدون رفعوا قبائل وخفضوا أخرى بمجرد قصائدهم دون أن يكون لهذا الرفع أو الخفض صلة بواقع هذه القبائل وقدراتها الحقيقية. لا شك بأن اللغة والشعارات والكلام الدعائي يؤثر بقلوب الشعوب قاطبة، والعرب ليسوا استثناء، لكن أن يصل في ثقافتنا العربية لدرجة أن يكون الكلام هو الواقع.. هو الحياة.. وربما هو الحقيقة.. هنا، نتوقف ونسأل: لماذا؟ لماذا ثقافتنا تحتفي بالكلام الحماسي الشعري أو الوعظي أو الإعلامي أو الهرطقي إلى هذه الدرجة من تغييب الواقع نفسه.. وتغييب الوعي لكثير من العقول؟ وما يتبع كل ذلك من تشويه المصطلحات الفكرية والسياسية، وتزييف الحقائق، وخلق واقع وهمي لا علاقة له بواقع الحال الفعلي. كأن الزمن العربي متوقف تاريخياً ويدور حول اللغة - الصوت - القول.. كأنه لا علاقة لنا بما يتطور في العالم من تقنية وأساليب وأفكار.. يقولون لك اللغة معجزة العرب.. حسناً، لماذا تأخذ اللغة لدى غالبية العرب هذا الشأو؟ ربما لأن الواقع العربي واقف كما هو! ومن ثم لا أهمية للواقع بل للخيال.. الواقع العربي ساكن والخيال متحرك.. الواقع العربي واحد جامد والخيال متنوع حيوي.. فنعيش في الخيال، في اللغة والكلام.. وفي هذه اللحظة نعيش الماضي، ونجتر البطولات الوهمية أو الحقيقية، ولكنه ماض ولّى لا علاقة مفيدة له بالحاضر. ولنسأل: كيف تشكل واقعنا؟ الواقع، عموماً، هو في تقديري، سلوكيات وأفكار تتشكل معتمدة على المصالح.. والمصالح في الأساس اقتصادية.. والاقتصاد هو منظومة اجتماعية نفعية تبنى على الإنتاج (أدوات ووسائل الإنتاج)، وهذه تتأسس عليها العلاقات الاجتماعية وتنمو بالغة الهرم العام للمجتمع مشكلة الوجهات الفكرية وروح المنطق العام لذهنية الناس.. يمكنني القول ان جوهر الاقتصاد لدينا لم يتغير منذ دهور، فهو لما يزل معتمداً على الإنتاج الريعي.. أي على ما تمنحه البيئة من خصب أو جدب.. ومنها تتشكل القيم والعادات والتقاليد وطرق التفكير وأساليب التعبير.. قيم البداوة والريف.. سواء كانت مجتمعات ترحال أو زراعة أو مدنية.. لماذا الواقع العربي واقف غير متطور؟ ربما لأن أنماط ووسائل الإنتاج لم تتغير جوهريا.. فيما مضى كان الاقتصاد ريعيا.. أي أن أنماط الإنتاج تعتمد الرعي والزراعة وغنائم الغزو.. هذه الأنماط لا تحتاج للتجديد الإبداعي ولا للتنظيم ولا للاحتراف ولا للحرية الفكرية، بل هي مثلما كانت منذ القدم.. مثلاً، راعي الغنم قبل آلاف السنين هو ذاته الراعي في وقتنا الحاضر، ومن ثم هو لا يحتاج أن يبتدع أسلوباً جديداً في الرعي؛ لأن الأساس في ذلك هو المرعى، البيئة، المطر.. بل ان الراعي يقوم بتكرار أسلوب الراعي القديم، ويصر على المحافظة عليه؛ لأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان.. ومن هنا يظهر نفوذ المحافظين على القيم القديمة (قبائلياً أو فكرياً سلفياً)، فهو يقلد سابقيه، تقليداً حكيماً لتشابه التجارب.. جوهر الحاضر هنا هو مشابه للماضي؛ لأن المنتج الرئيسي (البيئة الطبيعية) هو ذاته لم يتغير..لا سيطرة على أدوات الإنتاج.. فكلها خارجة عن إرادة الراعي أو رب العمل.. بينما المجتمع غير الريعي، كالصناعي، يعتمد على وسائل إنتاجه وأدواته والوقت المطلوب لذلك، فأي تغيير في ذلك يؤدي إلى تغيير في كمية الإنتاج ونوعيته ومن ثم يؤدي للتغير العام.. في المجتمع الصناعي يغدو الإبداع والتنظيم والاحتراف بنية أساسية لتطور الإنتاج ومن ثم العلاقات الاجتماعية والقيم الفكرية والمادية.. في مجتمعاتنا لا نزال نعتمد الاقتصاد الريعي.. النفط منتج ريعي لا يعتمد على قدرتنا في الإبداع والتنظيم بل على ما هو متوافر بالأرض.. وبالتالي لا قيمة جوهرية لتأثير الإنسان على هذا الكنز.. ميزانية الدولة والعقارات وأسهم الشركات وأرباح البنوك.. الخ كلها تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على سعر البرميل من النفط وتوافره.. صحيح أن التنظيم والاحتراف والإبداع لها تأثير، لكن المؤثر الأساسي هو النفط.. هنا يغدو الواقع مسألة انتظار ما تمنحه الأرض من كنوز وما يحتاجه السوق من كمية من هذه الكنوز.. وهنا تضعف أهمية العمل - الفعل كقيمة، وتنمو أهمية (الكلام - القول) كبديل لهذه القيمة.. وينمو الكلام ويتشعب ويتعقد.. وهنا أيضا لا يصبح لإعمال العقل والتحليل والنقد أهمية بقدر ما ننقل من التراث الثقافي ونقلده.. وتغدو اللغة رديفاً للواقع أو ربما بديلا عن الواقع.. هنا يتم تبجيل القول شعراً أو شعارات أو ايديولوجيا.. ويصبح اللاعبون بالكلمات والشعارات والعاطفة هم سادة الموقف الفكري وأصحاب النفوذ على ذهنية الناس؛ لأنه لا فرق بين العقلاني الموضوعي أو المتحمس العاطفي سوى بالكلام، فيتفوق العاطفي على الموضوعي، طالما أن كليهما غير مؤثرين على الواقع بل على اللعب باللغة.. فالعاطفي قريب من المشاعر، سهل الفَهْم، عالي الصوت، عنيف الهجوم على المخالفين.. ببساطة حياة الناس تعتمد على الاقتصاد، وحين يكون أساس اقتصادنا مشابهاً لما كان في الماضي فذلك يعني أن طريقة تفكيرنا مشابهة لطريقتنا في الماضي.. فنعيش في الماضي الذي كان يعتمد الكلام.. وهنا نسرح في الماضي ونتوه في اللغة العاطفية الخيالية.. تيه يتركب على تيه.. ونعيش فضاءات من التيه المتشعب.. ودون أن نعي هذا البعد الاقتصادي (نمط الإنتاج ووسائله وأدواته) وتأثيره سنظل ضحاياه.. ننتقل من تيه لآخر.. وفي النهاية يستمر الشاعر العروبي ينشد فلا يثير شجون أحد.
|