Monday 9th May,200511911العددالأثنين 1 ,ربيع الآخر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "دوليات"

روسيا وعودة الحلم بالمياه المتوسطية الدافئة!روسيا وعودة الحلم بالمياه المتوسطية الدافئة!
د. محمد شعبان

تحاول روسيا جاهدة ومنذ عدة سنوات أن تستعيد دور الاتحاد السوفييتي السابق على مسرح السياسة الدولية، ولكن دون نجاحات كبيرة تذكر على ما يبدو لنا حتى الآن، فحتى الآن لم نستطع روسيا، وهي الوريث الشرعي للاتحاد السوفييتي، أن تخرج من مرحلة انعدام الوزن، وإن كان يلاحظ محاولة الدبلوماسية الروسية الخروج من عباءة الدبلوماسية الغربية والأمريكية خاصة، بعد أن اكتشفت الوهم الذي ساد مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بأن أمريكا يمكن أن تعمل جنباً إلى جنب مع روسيا وتسيران معاً. هذا الوهم تجلى بأن أمريكا تحاول عملياً بأن يكون الروس يسيرون خلفها، وعلى بعد عدة خطوات، لا بجانبها.
ولماذا تتخلى أمريكا عن دور المعلم (المرشد) في أحد أهم مراحل وجودها كدولة، ألا وهي مرحلة الانتصار الكبير بعد زوال القطب الآخر متحولة بذلك إلى القطب الأوحد.. أي أن أمريكا لم تكن تبغي من ذلك سوى تقليم مخالب (الدب الروسي) الحديث النشأة بحيث لا يشب عن الطوق وقد تسلح بمخالب قوية يستطيع أن يلحق الأذى بأعداء الأمس، حلفاء اليوم، ظاهرياً فقط.
ولقد شهدنا بالفعل تغيراً في منهج السياسة الخارجية الروسية مع بداية عهد الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، ووزير الخارجية السابق إيفانوف وصولاً إلى وزير الخارجية الحالي سرغي لافروف، هذا التغيير يمكن تلخيصه باختصار شديد بتفعيل الدور الروسي على المسرح الدولي كلاعب أساسي في السياسة الدولية وصولاً إلى استعادة دور الاتحاد السوفييتي السابق المفقود كقطب ثانٍ ورئيسي في هذا العالم المتغير، وذلك قبل أن تتلقفه إحدى الدول الطامحة له كالتنين الصيني.
ولكن، على ما يبدو، فإن مخالب (الدب الروسي) هذا لم تنمُ كفاية، ولم يشتد عودها بعد لدرجة يستطيع التهديد بقوتها، إذ لم يكد هذا (الدب) يخرج مخالبه من عباءته السيبيرية القطبية المتمثلة بطرحه لمؤتمر دولي حول السلام في الشرق الأوسط خريف هذا العام في موسكو حتى (أسرع وخبأ مخالبه) بالإعلان عن سحب المبادرة أو الاقتراح من قبل وزير خارجيته والمرافقين له، عندما أعلنوا بأنه قد أسيء فهم الاقتراح الروسي، ومن ثم تراجع عنها هو، أي الرئيس الروسي، شخصياً أثناء المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
والحقيقة هو أن إسرائيل هي المعترضة الأولى والأخيرة على هذه المبادرة، ولا توجد حاجة لدى واشنطن للرد عليها، فإسرائيل قد تكفلت بذلك وزيادة، وإن كان الرئيس الروسي بوتين عاد وتكلم حول مقترحه هذا أثناء زيارته لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، مشيراً إلى الرفض الإسرائيلي لهذه المبادرة. ولكن يبدو لي أن الروس لم يدركوا بعد أنهم، وبعد قرابة خمس عشرة سنة من غياب شمس الاتحاد السوفييتي، لم يصلوا إلى درجة الرشد بعد، أو ليكونوا نداً وحيداً لهيمنة أمريكا على السياسة الدولية، وهم لم يدركوا بعد بصعوبة إعادة خلق قطب ثانٍ يواجه القطب الأحادي الأمريكي الحالي.
إن ذلك يتطلب فترة لا بأس من الزمن، ويتطلب أكثر ما يتطلب اقتصاداً قوياً وعملاقاً يوازي أو يفوق الاقتصاد الأمريكي، بدون ذلك لا يمكن للحلم الروسي أن يتحقق بعودة ملكية القطب الثاني في العالم إليها، وفي ذلك لا يشفع لروسيا ماضيها السوفييتي (العظيم)، فإسرائيل ترفض أن تخرج (بيضها) كاملاً من السلة الأمريكية لتوزعه في سلال دولية أخرى، ومن بينها بالطبع السلة الروسية!
إن إخراج أمر مشكلة الشرق الأوسط من يد أمريكا لتكون في متناول الأطراف والشرعية الدولية لا يصب في مصلحة إسرائيل، من هذا المنطلق نفهم الرد الإسرائيلي السريع على المبادرة الروسية برفضها ما أن أوصلها الأثير إلى مسامع الإسرائيليين، ومن هنا نفهم الفتور في حرارة استقبال الرئيس الروسي، على الرغم من أنها أول زيارة لرئيس روسي إلى إسرائيل.. فهذا الاستقبال لم يخرج عن الحدود الدبلوماسية الدنيا لهذه المناسبات، ولم يكن هناك موضوع يستحق الحديث عنه، وجرى التوافق عليه بين الجانبين سوى التعاون الروسي الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب، وبالطبع الإسلامي منه كما تعمل إسرائيل دائماً على تسويقه لتضلل به الرأي العام العالمي، وهي أي إسرائيل، التي قدمت نفسها لروسيا على أنها خير ما يمكن التعاون معه لمكافحة (الإرهاب الشيشاني الإسلامي) كون لدى إسرائيل الخبرة الكافية لمكافحة هذا الإرهاب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي تمثله حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين حسب الادعاءات الإسرائيلية.
وهنا لابد من الإشارة إلى حساسية هذه المسألة بالنسبة للعرب والمسلمين عموماً، خاصة أن روسيا تسعى جاهدة للانضمام إلى منظمة مؤتمر الدول الإسلامية، هذه الحساسية مردها إلى التعاون الإسرائيلي الروسي لمكافحة النشاطات (الإرهابية) للجماعات الشيشانية وتبرير روسيا بقمع تطلعات الشعب الشيشاني المسلم، فلا تزال روسيا تتعامل مع المشكلة الشيشانية على أنها مشكلة تمرد لجماعات إرهابية صغيرة، في حين أن القضية أكبر من ذلك، وإن كنا نعتقد بوجود أيادٍ خفية، هي ضد روسيا وضد الشعب الشيشاني بالأساس، بما فيها اليد الأمريكية - الإسرائيلية المشتركة لمحاولة تفتيت روسيا من الداخل.
ويمكن أن يستشف ذلك من خلال ما سربته الصحافة الإسرائيلية منها (يديعوت أحرنوت) عن محادثات بوتين مع المسؤولين الإسرائيليين.. اعتبر بوتين أن محاولة الأمريكيين فرض الديمقراطية على دول شرق أوسطية تشجع الإخوان المسلمين في مصر، بل وذهب إلى أبعد من ذلك عندما قال إن الولايات المتحدة تجري اتصالات سرية مع طالبان في أفغانستان).
ونحن نعلم جيداً أن هناك تعاوناً وثيقاً بين بعض الفصائل الشيشانية وتنظيم القاعدة المرتبط بالطالبان، مع ذلك فإن معالجة هذه القضية من وجهة نظر أمنية وعسكرية فقط لن يقود إلى شيء سوى إلى المزيد من الدمار والخراب والقتل في الدولة الروسية.
على الرئيس بوتين أن يدرك بأن المسافة التي تفصله عن موقف الرئيس السوفييتي السابق خروتشوف، عندما خلع حذاءه وضرب به الطاولة في مجلس الأمن للتعبير عن موقفه القوي، إبان أزمة الصواريخ السوفييتية إلى كوبا أو ما سمي عندئذ بأزمة (خليج الخنازير)، نقول إن هذه المسافة ما زالت كبيرة جداً، وعلى روسيا العمل كثيراً لكي تقطع هذه المسافة لتصل إلى ذات الموقف، فما زال أمام روسيا الكثير لكي تنجزه داخلياً وخارجياً.
ويأتي في الدرجة الأولى بناء دولة على أسس عصرية وديمقراطية، إضافة لاقتصاد قوي، وهي بالمناسبة لديها كل المؤهلات لذلك شرط توفر الإرادة والإدارة الناجحة والنظيفة من المافيات ومخلفات النظام السوفييتي البائد. ويقيني أن الرئيس بوتين، وهو يغادر سماء المنطقة حالماً بموطئ قدم لبلاده في المياه الدافئة تحت شمس المتوسط، قد أدرك ذلك وأدرك بأن الوقت لم يحن بعد لكي يخرج الدب القطبي الروسي مخالبه محاولاً بها إقناع الآخرين بقوة روسيا وعظمتها، ولعله أدرك أيضاً بأن لروسيا مصالح أكبر مع العالم العربي وأن هناك إمكانية لبناء صداقة روسية - عربية على أسس جديدة بعيدة عن الأيديولوجيات السابقة، وهذا ممكن جداً، فروسيا هي شرق، فهل يعد ذلك حلماً من الممكن لروسيا يوماً ما تحقيقه، أو هو أضغاث أحلام كسراب في الصحراء العربية الواسعة لا أكثر، هذا مرهون بقادم الأيام وهو بيد الروس أيضاً.

معهد الإدارة العامة - الرياض

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved