لا أريد فتح ملفات التاريخ ولكن التاريخ رفض أن ينام على صفحات كتبه بسلام. في كل مرة أتفاءل بأن تاريخنا مع عبد الناصر أصبح خلفنا أحدق في المستقبل فأرى أن هذا التاريخ ما زال أمامنا. عندما قال هيكل إن العرب عربان: عرب المركز وعرب الأطراف كنت أظن انه كان يسوق فكرة تتسق مع المواقف العدائية التي تبناها إعلام جمال عبد الناصر في حقبة الستينات بهدف عزل المملكة وإضعاف موقفها أمام العرب، وقد ظننت أيضاً أن هذه الفكرة سوف تنتهي بانتهاء الناصرية، ولكن واقع الحال القائم الذي يعيشه الإعلام السعودي الخارجي ورجال الأعمال السعوديون المشتغلون في الإعلام يثبت أن هذه الفكرة التي رسخت في أذهان إخواننا العرب وبدأت تتحول إلى برنامج عمل ينفذ بأموال سعودية صرفة. مع تدشين تكنولوجيا الفضائيات سارعت المملكة إلى إصدار أولى القنوات الفضائية إلى جانب المصرية. أوحى لي هذا الحدث الرائع أننا في الطريق الصحيح إلى نزع الأفكار السامة التي عشناها وعاشها العرب طوال حقبة منتصف القرن العشرين. وأن هذه القناة هي نواة لقنوات سعودية كثيرة ستأتي مستقبلاً هدفها وضع المملكة في مكانها الطبيعي الذي تستحقه بين الدول العربية. لقد تحقق ظني ولكن بصورة عكسية تماماً. فهذه القناة والقنوات الممولة سعودياً التي لحقتها راحت تكرس فكر الستينات منتصرة لأطروحات محمد حسنين هيكل. أعلنت قبل عدة أيام شركة روتانا للفنون انطلاق قناتها الفضائية المتخصصة بالكامل في أهل الخليج. وقالت في بيان لها إن هدفها من إطلاق هذه القناة هو التعريف بفن الخليج وشعر الخليج وإبداعات الخليج.. الخ، فكما جاء في البيان فإن هذه القناة سوف تقتصر على مواد خليجية لا تخالطها مواد عربية أخرى. لم يفسر لنا البيان كيف ستقوم هذه القناة المعزولة بالتعريف بالفن الخليجي والترويج له ومن هم المستهدفون بهذا التعريف. وروتانا لم تخترع هذا الاتجاه بل هي امتداد لتوجه إعلامي يشمل كثيراً من رؤوس الأموال السعودية المستثمرة في الإعلام، فشركة (الأم بي سي) قامت قبل فترة بفصل إذاعتها إلى إذاعتين واحدة للعرب وأخرى للخليجيين وصار العرب لا يسمعون سوى أغانيهم وأخبارهم والخليجيون لا يسمعون سوى أغانيهم وأخبارهم. لا أعرف ما هي الطبيعة الفكرية أو الثقافية التي تجعل من الخليجيين وحدة منفصلة عن بقية العرب إلا إذا أخذنا بيانات وخطب جمال عبد الناصر التي نظر لها محمد حسنين هيكل وطبل لها بعض المثقفين العرب من أمثال نزار قباني ومظفر النواب وعبد الرحمن منيف كمؤشر على وجود تمايز بين العرب والعرب الخليجيين. هذا التوجه انتقل إلى الصحف فجريدة الحياة كما نلاحظ فصلت السعوديين عن بقية العرب بجريدة تخصهم. فبعد ان كنا نقرأ أخبار السعودية وإنجازاتها على مستوى دولي اقتصرت هذه الأخبار وهذه الإنجازات على الطبعة السعودية التي لا يقرأها إلا السعوديون. أما إنجازات وأخبار العرب فموجودة ومرسخة في الطبعة الدولية والطبعة السعودية على حد سواء. ولم تنس جريدة الشرق الأوسط الدولية نصيبها من هذا التوجه إذ قامت بإصدار ملحق خاص بالمملكة يعزل السعودية عن محيطها العربي. قد نبرر هذا الاتجاه بأنه إعلاني واعتراف بقوة الاقتصاد السعودي، ولكن هذا يطرح تساؤلاً أوسع: ما الداعي لشراء جريدة أو إصدار جريدة أو قناة فضائية والعمل على طباعتها أو بثها في كل دول العالم من سدني إلى نيويورك إذا كانت ستنتهي إلى استجداء الاقتصاد السعودي لتحقيق أرباح؟ إذا كان هدف هذه المؤسسات الإعلامية تحقيق الربح فبإمكان ناشريها الاكتفاء بالطبعات السعودية أو البث الموجه للسعودية لأنها هي الوحيدة التي تحقق الربح أما البقية فخسارة واضحة. هل أصبح المواطن السعودي مسؤولاً عن ترفيه العرب وفي نفس الوقت يدفع ثمن عزلته وتأكيد دونيته؟
|