فقد صنع الأستاذ شعيب عبدالفتاح المستشار الإعلامي بالسفارة المصرية في الرياض خيراً عند كتابة مقالة في صفحة الرأي في جريدة الجزيرة عدد رقم 11899 بتاريخ 18 ربيع الأول 1426هـ بعنوان: (الإعلام.. والعولمة)، ذلك أن الموضوع هام ومهم. وبرغم سداد وصواب وواقعية ما أورده الأستاذ عن العولمة، وجهده في توضيح المسألة، إلا أن ما ورد من أمثلة وعناصر تم ذكرها لتأطير المفهوم كانت - في ظني - عامة وغير كافية لأن تعطي المصطلح أبعاده وتظهره على حقيقته برغم قتامتها وحلوكها. وباعتبار خطورة المسألة كان لابد من الإضافة على ما ذكر بعضاً من التوضيح، إيضاحاً للقراء وتجنباً لمغلوط الفهم عن وضوح المفهوم بخاصة ما يتعلق بالإعلام. وما دام الغرض هو الإيضاح فالتيسير هو المنشود، إن مصطلح العولمة، أو العولمة المفهوم، ليس مضموناً جديداً تماماً، بل هو مسمى محدث لفلسفة قديمة جوهرها هو نظرية التبيعية.. نواة هذه النظرية أنه ربط مصير الدول التابعة أي المتخلفة بدول المركز المتقدمة أو دولة المركز (واقع حال العالم الآن) من أجل قيام مجتمع رأسمالي عالمي يهيمن على الدنيا، تحت غيمة هذا المجتمع الرأس مالي، تبقى الدول التابعة مصدراً للمواد الخام واليد العاملة إلى عواصم دول المركز لاستخدامها في التصنيع، ويتم نقل المواد الخام عن طريق الفئات التي تصنعها المراكز وتضعها في التوابع مقابل جزء يسير من العائد بمساهمة بارزة تقدمها البنوك والشركات الاحتكارية الكبرى.. وبعوائد هذه الصناعات تزدهر دول المركز ويتسع تطورها ويبعد تقدمها ما يتيح لها أكثر فرض هيمنتها على الدول التابعة. أدوات هذه الهيمنة هي ترسيخ نمط استهلاكي بذخي يمنع تراكم الدخول، ويستنفد الموارد، ويهمش الأفراد في الدول التابعة، مع ادماج الأقلية منهم في النظام العالمي الجديد، يضاف إلى ذلك شن حملات دعائية ضخمة تمولها الشركات الكبرى - المتحكم الأقوى في دول المركز - مع تغيير القيم بنشر قيم غريبة وأنماط سلوك جديدة بين الشعوب التابعة بدءاً من الملبس والطعام و.......إلخ.. وعند فشل هذه السياسة في الضغط على التوابع يتم اللجوء لاتخاذ إجراءات بوليسية أو عسكرية لاستعادة النظام وتحقيق الديمقراطية. أما الإعلام، فهو الوسيلة الرئيسة التي يستخدمها المركز لتكريس تلك التبعية، فالسيطرة على وسائل الإعلام وبوسائل الإعلام يكون الاستحواذ على الأفكار، وباحتكار العملية الإعلامية بما فيها من صناعة الأخبار وترويجها، وإنتاج البرامج الترفيهية والفنية والتثقيفية والأفلام وبثها، وإصدار الصحف والمجلات والمنشورات المنوعة، وإطلاق أجهزة إعلامية تحمل هوية التوابع ومقصد المركز، سيتم سلب الجماهير القدرة على الرؤية، وتزييف وعيها، لتوجيهها وتحديد مسارها بما يتساوق ومصالح دولة المركز العالمية.. {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ...} كيف سيتأتي لهم ذلك؟ إنه باستغلال وتوظيف التحديات التي ذكرها الأستاذ شعيب في مقاله (الإعلام.. والعولمة). حديث ذو شجون وبقية.
عبدالله بن علي الفردي |