* الجزائر - كتب خالد المالك : عندما تفضل معالي وزير الإعلام الشيخ إبراهيم العنقري واختارني لأمثل الصحافة السعودية في احتفالات الجزائر بالذكرى العاشرة للاستقلال بناء على دعوة المسؤولين في البلد الشقيق لواحد من الصحفيين السعوديين لحضور هذه الاحتفالات . . أقول عندما تفضل معاليه وخصني بهذه الدعوة كان عليّ ان البيها لأنها ثقة تأتي في وقت أنا أحوج ما أكون فيه لمثلها على الرغم من أن ظروف عملي كانت في ذلك الوقت من الصعوبة بدرجة أحس أنه يجب ان اعتذر، ومع هذا لبيت الدعوة للأسباب التي أشرت إليها وكان سروري بثقة معاليه جد كبير . . وصلني التبليغ بالسفر إلى الجزائر يوم السبت 20 جمادى الأولى الموافق 1 يوليو ظهراً وطلب إليّ أن أسافر على الفور إلى جدة لأكون في اليوم التالي - بمشيئة الله - في الجزائر وقد سافرت إلى جدة في هذا اليوم والتقيت صباح يوم الأحد بمعالي وزير الإعلام في مكتبه بجدة الذي أمر بتسهيل اجراءات سفري بأن جعل خط السير مفتوحاً وتذكرة الاركاب على أي خطوط . . وقد كانت لجهود معاليه أبلغ الأثر في سرعة مغادرتي للمملكة . . كما كان سعادة الشيخ سالم سنبل في الخارجية متعاوناً جداً في انهاء جواز السفر الخاص بي . . الأمر الذي جعلني استلمه في وقت أقل بكثير مما هو متبع . . كان سفري من جدة الى الجزائر صباح يوم الاثنين 22 جمادى الاولى الموافق 3 يوليو بالخطوط الفرنسية مروراً بالقاهرة واثينا فباريس ثم الجزائر . . وقد وصلت في نفس اليوم بعد رحلة - الشيء غير المريح فيها - ست ساعات من الانتظار في مطار باريس بانتظار تغير الرحلة . . وفي المطار - مطار الجزائر - استقبلتنا مجموعة من الصحفيين وأنا لجنة الاستقبال وسهلت مهمتنا ابتداء من الإجراءات المتبعة في المطار وانتهاء بوصولنا الى الفندق المعد لسكني وبعض الصحفيين . . ! ! تمت الاحتفالات الرسمية بالذكرى العاشرة للاستقلال خلال ثلاثة أيام ابتداء من يوم الاثنين - يوم وصولنا - 22 جمادى الأولى الموافق 3 يوليو وفيه تم تشدين القسم التاريخي من معرض (بربروس) بحضور الرئيس هواري بومدين وأعضاء مجلس الثورة والحكومة و(قسم الثقافة والتنمية) بقاعة (الأعمدة الأربعة) في المجلس البلدي الشعبي لمدينة الجزائر، وبرنامج هذا اليوم لم أتمكن من حضوره لوصولي الى الجزائر متأخراً . . أما يوم الثلاثاء فقد تضمن برنامج الاحتفالات على تظاهرات في الفروسية وعرض عالمي لأول فيلم جزائري الى جانب خطاب ألقاه الرئيس بومدين على أمواج الاذاعة والتلفزة، بقي اليوم الثالث والأخير وهو يوم الاربعاء 24 جمادى الأولى الموافق 5 يوليو، وقد كان هذا اليوم هو يوم ذكرى الاستقلال وفيه تم العرض العسكري والشعبي والمهرجان الرياضي الكبير وافتتاح المهرجان الأول للشباب العربي . . كما قام الرئيس بومدين مساء هذا اليوم حفل عشاء تكريماً للضيوف والمدعوين. ولكن الشعب الجزائري الشقيق لم يقتصر في اظهار فرحته وفي التعبير عن سروره وسعادته بأغلى ذكريات العمر على البرنامج الذي وضعته الحكومة . . بل إنه ابدى من المظاهر ومن صور الفرحة بما يمكن اعتباره ابلغ تعبير عن الكيفية التي استقبل بها الاستقلال . . إذ إن مظاهر الفرحة لم تقتصر على العاصمة ولا على المناطق المحيطة بها بل عمت كل المدن والقرى والمناطق والمحافظات وسبقت مظاهر التعبير والابتهاج بهذا الموعد الرائع الأيام التي حددتها الحكومة بوقت طويل كما استمرت والى ساعة مغادرتنا للجزائر بصور شتى كان أبسطها خروج سكان العاصمة بأجمعهم الى الشوارع واطلاقهم للكلمات التي تدل على أنهم يستقبلون مثل هذه الذكرى وهم يعرفون ويعون كيف تحررت الجزائر وكم من الثمن دفع لكي يتم الاستقلال. وبالطبع فإن خروج الشعب بهذه الصورة وارتداء العاصمة للزينات والأنوار الى جانب البرنامج الحافل الذي أعدته الحكومة لاحياء الذكرى العاشرة للاستقلال الوطني . . يعني ان هذه الوحدة هي التي كانت الوقود لاشعال نار حرب التحرير في أول نوفمبر عام 54 م واستمرارها الى ان اذعنت فرنسا واعطت الحرية والاستقلال للجزائر في الخامس من يوليو عام 62م . . وهي وحدة تنقص العرب مع الأسف الآن فيحول هذا الشيء دون تحرير فلسطين وباقي الاراضي العربية التي يحتلها العدو الصهيوني . . وكم هو رائع ان تكون هذه الذكرى الخالدة التي احتفل بها شعب الجزائر الشقيق تذكيراً للعرب وتنبيهاً لهم بالأسلوب العملي الصحيح لتحرير مقدساتنا . . هذا الاسلوب الذي نفتقده الآن بعد ان كان بأيدينا قبل عشر سنوات . . سبع سنوات ونصف السنة هي كل كفاح الشعب الجزائري بعد مائة وثلاثين سنة من الاستعمار الفرنسي ومع هذا تحقق امل الجزائر فتحررت رغم محاولات كثيرة تعرضت لها لفصل الشعب عن حضارته ومحو شخصيته وثقافته . . هي سنوات قصيرة بالطبع ولكنها سنوات مريرة لم يذق الاشقاء فيها طعماً للراحة وفقدوا خلالها مليوناً ونصف المليون شهيد وكانت السنوات العصيبة من أعمارهم . . ولكن النتائج التي اسفر عنها هذا البذل كانت مرضية ومشرفة ومن المؤكد أن هذا الشعب سيظل مثلاً رائداً في الكفاح وسيظل مرفوع الهامة له قيمته الكبيرة بين الشعوب المكافحة ضد العبودية والاستعمار. والذين زاروا الجزائر في هذه الذكرى ربما لمسوا كما لسمت . . ان الأشقاء لم يأخذهم الزهو والغرور بما تحقق لهم من مكاسب نتيجة سنوات الكفاح السبع وثمن المليون ونصف المليون من الآباء والأمهات والأبناء والأشقاء . . والسبب ببساطة ان الاخوة يؤمنون انه لا مجال للغرور ولا وقت للزهو فبلادهم تنتظر البناء والتشييد بعد ان تحقق الاستقرار بفضل التضحية والفداء للوطن الغالي . . لقد أثبت الاخوة واقعياً في هذه الذكرى كما اثبتوا من قبل ان فرنستهم أمر مستحيل . . فدعوا أكثر من مائة دولة والمئات من الصحفيين ليشهدوا هذه الاحتفالات وليشهدوهم على حقيقة واقعهم وصدق ما نقول . . فكان رائعاً ومشرفاً ان نرى الاشقاء يتمسكون بتقاليدهم الأصيلة ومثلهم الرائعة في ظل الإسلام الصحيح . . من خلال عروض الخيل وممارسة الحركات الرياضية التي اشتهر بها العرب . . ومن خلال الزي الذي ارتداه رجال العشائر سواء في المهرجان الرياضي او في الاستعراض العسكري والشعبي . . بل ان الموقف يزداد روعة في ظهور اللافتات وقد كتبت عليها عبارات تدعو الى الوحدة الإسلامية والعربية . . والى التنديد بكل حركة تحاول النيل منها . . في ميدان سباق الخيل في الخروبة بالجزائر مثلاً قضينا ثلاث ساعات تقريباً مع مهرجان كبير لألعاب الفروسية . . شهدنا فيه استعراضاً للفرق المشاركة طبقاً للترتيب التالي: الجوق العسكري راجلاً، فرسان فرقة الدرك الاحتياطية، جوق موسيقى القرب، ثلاثة فرسان من الاتحادية الجزائرية لرياضة الفروسية، مجموعات الخيالية من ولايات تلماس ووهران والواحات ومستغانم والتيطري وقسطنطينية وعنابة والأوراس . . كما شاهدنا في الحفل ايضاً مجموعة من الألعاب منها تقاطع الخيل وهو عبارة عن تمرين يبرز رشاقة الفارس اثناء تأدية حركات الركوب والنزول كما أنها تعني أيضاً القيام بمناورة لقطع الطريق أمام منافس او لمهاجمته من الجانب . . وشهادنا كذلك استلقاء الخيل وهو عبارة عن تمرين في الرشاقة يظهر مهارة الفارس في امتطاء جواده وجعله في وضع الاستلقاء خلف الأشجار أو في منحدر لكي يختفي من أنظار أعدائه . . كما شاهدنا عرضاً لأجنحة الطاحونة وهو عبارة عن تمرين الهدف منه تعويد الفرسان على اتقان امتطاء خيلهم في العروض . . ثم شاهدنا لعبة المقعد وهي تمرين جماعي يتمثل بالنسبة للفرسان في القفز عن خيلهم إذا ما أعطيت الاشارة وان يأخذوا خيلهم من أعنتها ثم يتوجهون مباشرة نحو مقعد موضوع وسط الأرض لاحتلاله والفارس الذي يجد نفسه بدون مقعد يخضع لقانون التصفية . . ومن الأشياء التي شاهدناها أيضاً لعبة الحلقات وهي تمرين يبرز صفات الرشاقة والاستقامة لدى الفارس المكافح الذي يجد نفسه إذا ما فقد رمحه أو سيفه مضطراً لالتقاط سلاحه من جديد دون أن تلامس الأرض قدمه وان يواصل الانطلاق بجواده في الوقت نفسه . . ولعبة الخفة وتتمثل في القفز على متن الحصان وهو منطلق . . ولعبة الوردة ويقوم بتنفيذ هذا التمرين ثلاثة من الفرسان يحمل أحدهم وردة على كتفه الأيسر ثم يلاحقه الفارسان الآخران محاولين انتزاع الوردة . . ولعبة قفز الحاجز التي يقوم بتنفيذها تسعة من الفرسان من بينهم رئيس الفريق وهو يتمثل في قفز حاجز وينفذ التمرين بشكل منفرد ثم بصورة ثنائية وأخيراً بالطريقة الجماعية . . كما أن المهرجان تضمن ضمن ما تضمن على عرض للالتحام وهو عبارة عن معركة بالخيل والسلاح الأبيض . . صفان يلتحمان وجهاً لوجه وينتهز اكثرهما حيوية كل فرصة لتصفية منافسة . . كما شاهدنا عرضاً لما يسمى بالفنطازية وهي تعني بالجزائر مجموعة من حركات الفروسية ويجري أثناء تأديتها تداول الأسلحة النارية . . ويقال إنها من التقاليد التي ترجع إلى عهد الأمير عبد القادر. هذا بعض ما شاهدناه في مهرجان الفروسية وليس كل ما شهدنا . . وقد شارك فيه عشرات من الفرسان الذين يمثلون مختلف ولايات الجزائر إلى جانب عدد الفرسان التابعين للجيش الوطني الشعبي . . وقد حضر العرض الرئيس بومدين والمدعوون . . وكان بحق من الفقرات الممتازة في برنامج احتفالات الجزائر بالذكرى العاشرة للاستقلال . . أما العرض الشعبي والعسكري وهو دون منازع يقف في المقام الأول بالنسبة للأفضلية بين المهرجانات والعروض المتنوعة التي أقامتها الحكومة الجزائرية . . فقد أقيم يوم الأربعاء المصادف للخامس من يوليو عام 72هـ وهو يوم ذكرى الاستقلال وذلك في شارع جيش التحرير وقد شاركت فيه القوات البحرية والبرية والجوية . . وقام بالاستعراض قدماء المجاهدين والمزارعين ورجال الصناعة والفرق الفلوكلورية بلباسها التقليدي والكشافة والرياضيون والتلاميذ ورجال الجيش . . ومع هؤلاء كانت الطائرات في الجو ووحدات من البحرية الوطنية في الساحل المقابل لشارع جيش التحرير تقوم باستعراضات عسكرية بديعة بينما تؤدي المدرعات وقاذفات القنابل والمدفعية الثقيلة والدبابات ومختلف الأسلحة عروضها في البر وسط إعجاب الحضور وتصفيقهم . . وفي اليوم نفسه توجهنا إلى ملعب خمسة جويلية الالومبي بالشراقة وهو ملعب جديد لنشهد مهرجاناً رياضياً بمناسبة افتتاح المهرجان الاول للشباب العربي الذي اقيم مشاركة في هذه الذكرى المجيدة . . وقد استمعنا الى كلمة من وزير الشباب والرياضة معالي الاستاذ عبد الله فاضل أوضح فيها الغرض من هذا الاحتفال والهدف من تجمع الشباب العربي . . ثم بدأ المهرجان باستعراضات للمشتركين من الشباب الرياضي وعددهم خمسة عشر الف شاب عربي . . الى ان توزعوا على مجموعات كل مجموعة تؤدي بعض الحركات بينما جلس على المدرج المقابل للمنصة التي كان يجلس فيها الرئيس بومدين وضيوف الجزائر عدد كبير من الشباب يرسمون لوحات تحمل شعارات تمجد كفاح الجزائر وتدعو الى وحدة العرب والمسلمين . . في حين ان الحفل ما زال مستمراً والحضور ما زالوا مركزين أنظارهم على التشكيلات التي يقوم بها المستعرضون وهي تمثل الثورة ولنا عشر سنوات والأمل والوحدة والتجنيد وغيرها . . ولا شك ان تشكيلة (لنا عشر سنوات) وهي التي أداها اطفال يبلغون من العمر عشر سنوات أي أنهم ولدوا يوم استقلال الجزائر كانت من أكثر فقرات المهرجان إثارة وابلغها تأثيراً في النفوس. ماذا أقول بعد هذا . . ماذا بقي من حديث عن الفرحة الكبرى التي عاشها الأشقاء في البلد الشقيق خلال الأيام القريبة الماضية . . ؟ مئات من المواطنين الذين التقيت بهم كانوا يتحدثون باللغة العربية رغم عدم إجادتهم لها بالمستوى الذي يجيدون به اللغة الفرنسية ومع هذا كانوا يصرون على الحديث بها . . انهم يؤكدون اعتزازهم بها ورفضهم للغة الدخيلة التي تصور المستعمر انه باحتلاله لأرضهم قرناً وثلث قرن يستطيع ان يمسح معالم اللغة والحضارة في شعب أصيل . . وتساءل هؤلاء وهم في الغالب كبار السن لماذا لا تجيدون اللغة العربية بالصورة التي نجيدها نحن؟ فيأتي الجواب منهم طبيعياً بأن المستعمر لم يفتح المجال لهم ليدرسوا إلا في المدارس الفرنسية . . وتطرح عليهم سؤالاً آخر . . وكيف الحال بالنسبة للشباب وصغار السن من المواطنين . . ؟ فيجيبون بأن هؤلاء يتحدثون بلغة عربية سليمة لأن مجال الدراسة العربية أصبح مفتوحاً أمامهم . . وبعض الدول العربية وعلى رأسها المملكة ترسل المدرسين المتخصصين في اللغة العربية والدين ليسهموا في عملية التعريب على حسابها الخاص وهو دعم كبير له وزنه عند الاخوة في الجزائر . . شيء آخر يلمسه المرء وهو ارتباط هذا الشعب بقضايا أمته العربية والإسلامية وكأنها قضايا جزائرية . . هم يتحدثون دائماً عن فلسطين والالم يعصرهم ويؤكدون عن ثقة ان النتيجة الحاسمة والجولة الأخيرة ستكون في صالح العرب . . لأنهم لم يكونوا شيئاً بالمقارنة مع قوة فرنسا العسكرية الكبيرة . . كانوا كباراً فقط في تمسكهم بقضيتهم وفي ايمانهم بحتمية الانتصار . . طالما أنهم يحاربون من اجل حق اغتصب بالقوة ويطالبون بحقوق أخذت دون رضا أصحابها . . ما عدا هذا كانت فرنسا الدولة الأقوى . . ولكنها باعدامها لمليون ونصف المليون من الشهداء لم تقتل المقاومة ولم تقبر نار الحرب التي امتدت السنتها من الجبال والسهول . . بل إنها ساهمت في اشتعالها بصورة أكثر لتجد نفسها مجبرة لأن تقول خذي ايها (الجزائر) الاستقلال واريحيني من عناء الحرب والرعب . . ! هذا هو الشعب . . وهذه هي الجزائر . . احتفالات تذكرك بماضٍ مشرق وحاضر مزدهر . . هذا هو الشعب . . وهذه هي الجزائر . . بعد عشر سنوات من الاستقلال . . صورة للأمان الباسم . . وأمل للمستقبل الرائع . .
|