Thursday 12th May,200511914العددالخميس 4 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

إنها أقلامٌ.. ودُروع !!إنها أقلامٌ.. ودُروع !!
السيد خضر

لا تزال صورة تلك الحادثة مرسومة في ذاكرة أهل القرية.. فما أروعَها حين تُروى للعِبْرة ، أو يضربها البعض كنوعٍ من الأمثال في مواقف مشابهة لأحداث تلك القصة التي خُلِّدت، خاصة على ألسنة كبار السن في القرية، وفي أذهان كهولها ومخيَّلاتهم.. يروونها لأبنائهم حديثي الأسنان من أجيال التلفاز والنت؛ فمنهم من يتأثَّر، ومنهم من يُدْبِر أو يستَكْبر!! يدرك مراميها المثقفون، ويحكيها الأميون في مجالسهم حول الموقد مع (برَّاد ) الشاي في ليل الشتاء البارد حينما ترجع بهم الذاكرة إلى أيامهم الخوالي.
كانت القرى -البعض منها- تسيطر على الحياة الاجتماعية فيها عائلة أو عصابة ذات نفوذ ( بالوراثة) تبطش بالضعفاء، وتسخِّر من لا حيلة لهم في أرضها مقابل الرضا عنهم والحماية؛ حيث تكون سلطة الشرطة ضعيفة؛ للبعدين المكاني والزماني بينها وبين الأحداث .
كان أفراد قبيلة من الطراز الذي وصفناه يجاور حقلُهم حقلاً لقبيلة صغيرة مهاجرة حديثا للقرية، أفرادها قليلٌ عديدهم، مستضعفون، فأذاقوهم سوءَ الجوار، ومُرَّ العِشْرة، بل كانوا يسرقون من أرضهم بنقل الحد الفاصل بين الحقلين !! ولكن.. كان بالقبيلة القليلة العدد شاب في بدايات تعليمه الجامعي، ونظراً لبعد الجامعة عن القرية كان يعيش بعيدا عن أهله ومعاناتهم التي كانوا يخفونها عنه حتى لا يشغلوه عن دراسته.. تصادف وجوده في إحدى المواجهات، وعَلِم بما يعانيه إخوانه من هؤلاء، فخرج ليواجههم فالتفّوا حوله.. مستهزئين.. ليروا ماذا سيفعل بهم هذا الجامعي!! ، فأخرج قلمه من جيبه ورفعه بوجوههم قائلا : لن أؤدبكم بفأسٍ ولا عصا.. ولكن سأؤدبكم بهذا القلم !!
وكان له ما أراد، بعد أن خاطب كل مسئول، واتجه إلى أصحاب الرأي والقرار؛ فرأت قريته المسئولين - لأول مرة- يبحثون ويدقِّقون في جرائمَ ومظالمَ ارتكبت تحت ستار الجبن والخوف، ولم يكشف عنها إلا ضوء القلم حينما انزاح عنه ستار الرهبة الذي كان يعشِّشُ على تلك القرية وأهلها..
إنه القلم الذي يتحول في أيدي من يريد إلى درع يذود به عن نفسه وأهله، وعن سائر بني الإنسان إن خلصت النوايا وصدقت العزائم..
من الناس من كان قلمه أبلغ من لسانه وهذا هو الأديب، ومنهم من كان لسانه أبلغ من قلمه فذاك هو الخطيب، ومنهم من اختاره الله لرسالة ما، فجمع له بين الخطابة والأدب !!
فكم من كلمة كُتِبتْ بقلم صادق أعادتْ حقوقا ضاعتْ، أو أحيتْ فَضيلةً ماتتْ، أو نصرتْ مظلوما.. ولو بعد حين!! وكم من كلمةٍ كتبها قلمٌ خبيثٌ يقطُر سُمَّاً زُعافا، نصرتْ ظالما.. أو أماتتْ فضيلة.. أو نشرتْ رذيلة ودعتْ إلى سُفور.. أو فتحتْ باباً إلى فجور!!
في الحِقبة الاستعمارية حتى خمسينيات هذا القرن وقف الأدباء والكتَّابُ والخطباء للمستعمر بالمرصاد، فهم تارةً يوقظون شعورَ الأمة ويُثيرون غيرتها، أو ينبِّهونها لتفيق من غفوتها.. وتارة أخرى ينادون المستعمر أن يفيق من غفلته، ويقصِر عن غيِّه وضلاله، أو يثيرون ضمير العالم ضده؛ فقد كان للعالم حينذاك بقيةٌ من ضمير !!
فلن ينسى التاريخ أصحاب ألسنةٍ وأقلامٍ اتخذوها دروعاً وقادوا حركة النهضة في عالمنا العربي الإسلامي، فللتاريخ ذاكرة لا تنسى رجالا أقالوا الأمة من عثراتها وكبواتها بالدعوة الصادقة لإصلاح الفرد ليصلح المجتمع .
وها هي الأمة اليوم تعود من جديد لتكبو وتشكو أدواءها.. فمن لَهَا؟!
.. وكلُنا قد لَهَا !!
فيا معشرَ الأدباء والكتَّاب شمِّروا عن سواعدكم.. نريد أقلاماً تُصلِح الإنسانَ أولاً ليسلم البنيان.. نريد أقلاماً تعيش الأوطانُ في حِمَاها كالدِّروع، لا سهاماً تتتبَّعُ العورات وتُزِيدُ الجراحَ بين الضلوع !!

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved