الحلقة المفرغة للتسوية

تسعى إسرائيل جاهدة لتوتير الأجواء مع السلطة الفلسطينية من خلال التحلل من التزاماتها تجاه تفاهمات شرم الشيخ، ومن ثم تدمير حالة التهدئة الراهنة إذ إن استمرار مثل هذه التهدئة يعني الانخراط في عملية السلام التي لا تحتمل إسرائيل التعاطي معها، وان كانت إسرائيل هي ذاتها قد عملت مع السلطة الفلسطينية وصولاً إلى حالة التهدئة لكنها، وهذا شأنها دائماً، سرعان ما تتخلى عن مثل هذا السعي متى شعرت أن عليها أن تتجاوب مع استحقاقات السلام.
فإسرائيل تمضي في مثل هذا المشروع لبعض الوقت، وتدفع بإيحاءات هنا وهناك بأنها جادة فيما يتصل بإحلال السلام، لكنها تترصد أية بادرة خطأ فلسطينية لتتخلى عن المشروع، وإذا فشلت في التقاط أية بادرة سلبية فلسطينية، فإنها تسعى هي ذاتها إلى وضع العراقيل..
وبينما تنشط السلطة الفلسطينية لتعميم الزام مختلف الفصائل بالتهدئة، وتتوعد من يتعمد تقويضها بقبضة حديدية حرصاً منها على تهيئة الظروف المواتية لأية تحركات باتجاه التسوية، فإن السلطة تجد أن ما تقوم به من جهد سرعان ما يضيع بسبب الاعتداءات الإسرائيلية صباح مساء على المواطنين الفلسطينيين واجتياح مدنهم بل وتقتيلهم، ومن ثم فإن السلطة ترى أن عليها أن تقنع الناشطين الفلسطينيين بعدم الرد على ما تقوم به إسرائيل من اعتداءات، وهذا أمرٌ يصعب التعاطي معه، بل إنه يصعب إقناع هذا الفصيل أو ذاك بأن هذه الاستفزازات يمكن السكوت عليها.
وتتعقّد هذه المهمة التي تواجهها الحكومة الفلسطينية عندما تلجأ إلى من تظن أنه راعٍ للسلام لوضع الأمر بين يديه، ويتعلّق الأمر هنا بالولايات المتحدة الأمريكية التي لا ترى فيما تقوم به إسرائيل ما يستوجب احتجاج السلطة، فواشنطن سرعان ما تقف إلى جانب إسرائيل، ولا يهم مدى الضرر الفادح الذي تلحقه حليفتها بكامل عملية التسوية..
ومن ثم فإن الأمور تمضي على هذا المنوال، إذ تنقلب حالة التهدئة إلى مواجهات حامية وعندما تصل الأوضاع إلى ذروة من العنف، فإن الوسطاء يتحركون مجدداً ويجري تهدئة الخواطر من خلال كمٍ هائل من التصريحات التي تتضمن أن جهداً سلمياً جديداً على وشك الحدوث، ثم تصدر إدانات متلاحقة لما يسمى الإرهاب الفلسطيني، ويجد الفلسطينيون أن الضغوط تنهال عليهم من كل جانب ومن ثم تبدأ السلطة في مخاطبة الفصائل بضرورة التهدئة بينما تبقى إسرائيل بعيداً عن أية ضغوط..