(أنا أحب وطني) وكما يقال (فمرآة الحب عمياء) لكنني أعجز إلا أن أراه ملاذا دافئاً وحضناً جميلاً وقلباً نقياً يسع كل محبيه وهم كثر، وأرى المجتمعات في بلاد أخرى مثل أكواب القهوة السوداء يهللون ويصفقون إن رأوا فيها نقطة من بياض، بينما أرى مجتمعنا ككوب الحليب الدافئ الأبيض، نرى فيه النقطة السوداء مصيبة عظيمة، ويتكاتف الجميع لإزالتها وإعادته إلى نقائه وشفافيته. فبلادنا منذ توحيدها على يد المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله وهي تسير باتجاه (الإصلاح) فهذا المصطلح ليس جديداً في معناه، وإن كان يسير في أعوام سيراً حثيثاً، وفي أعوام أخرى يتباطأ المسير لسبب أو لآخر، والمهم ألا تتوقف عجلة التقدم وأن يدفعها الجميع بكل ما أوتي من طاقة وقوة وإيمان، فكل منا هو جزء من هذا الوطن كبيراً كان أو صغيراً، صحيح الجسم أو معاقاً، عاملاً كان أو مسؤولا أو موظفاً. ونشعر حالياً بالسرعة المضطردة في عملية (الإصلاح) كما يحلو للبعض تسميتها، والتي ظهرت في الإنجازات الرائعة لرجال الأمن البواسل ورجالات الهيئة الأكفاء، وموظفي الجوازات الذين سعدنا بصحوتهم وهم يلقون القبض على تلك الطفيليات التي حاولت النيل من قيم مجتمعنا وطهارته، وحاولت تدنيسه بأوكار الرذائل والمخدرات والتنصير، فهنيئاً لبلادنا بمثل هؤلاء الأبناء البررة المخلصين. كذلك نرى عجلة الإصلاح دائرة في مجال ذوي الاحتياجات الخاصة، فبالأمس شهدنا إقرار مميزات للمعوقين شملت تخفيض أجور الإركاب في الطائرات وبطاقة السير، ولازلنا ننتظر المزيد من القرارات التي تعنى بهم وتعطيهم حقهم كمواطنين مثل غيرهم لهم حق الحياة الكريمة في هذا الوطن المعطاء. أيضاً لازالت عجلة الإصلاح دائرة في وزارة التربية والتعليم على يد ربانها الجديد معالي الوزير الدكتور عبدالله بن صالح العبيد، والذي ننتظر منه الكثير وهو الجدير بالكثير من العطاء، حيث تاريخه العطر، الزاخر بالعطاءات الإنسانية خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، فمن تجربة (المدرسة الجاذبة) التي أقرت في عدد من المدارس والتي ننتظر تعميمها، إلى دراسة أوضاع خريجي دبلوم اللغة الإنجليزية، وإلغاء التعاقد على بند محو الأمية، وكذلك حركة النقل لمن أمضى 6 سنوات مديراً أو وكيلاً لمدرسته، لما في ذلك من تبادل الخبرات وقضاء على ظاهرة (شلة الوكيل) التي كثيراً ما تحكم المدارس (خاصة في مدارس البنات)، أيضاً لازلنا بانتظار العديد من التعديلات المهمة في خطة عمل الوزارة كتعديل مستويات المعلمين والمعلمات ممن نسيتهم الوزارة على المستوى الثاني منذ سنوات؛ لعدم وجود أقارب لهم موظفين فيها، وإقرار نظام للابتعاث الداخلي للمعلمين والمعلمات لرفع مستوى كفاءتهم وعطائهم، كذلك ننتظر إصدار نظام الدوام الجزئي لزيادة كفاءة العاملات في مجال التعليم وزيادة أعدادهن دون تأثير على موازنة الوزارة، وتفعيل التقاعد المبكر والذي تطالب به الكثيرات منذ سنوات.أيضاً هناك الخطوة الجريئة التي شرعت فيها الوزارة وهي إعداد الطلاب لخوض مجالات العمل اليدوي وإعداد جيل قادر على سد احتياج البلاد من العاملين في شتى المجالات، وما في ذلك من قضاء على البطالة من ناحية ومن ناحية أخرى التعرف على اتجاهات الطلاب نحو العمل ومواهبهم وتنميتها منذ الصغر. يقول د. عبدالكريم بكار في كتابه (بناء الأجيال): (اليابانيون يؤسسون الشعور بالمسؤولية لدى الأطفال منذ المرحلة الابتدائية، عن طريق جعلهم ينخرطون في أعمال خدمية تعود بالنفع على مدارسهم وعليهم في النهاية، فعند اختتام اليوم الدراسي لا يكتفي الطلاب بكنس الغبار وإزالته وترتيب قاعات الدرس، بل يمسحون الأرضيات والممرات بقطع القماش المبلل. كما أن الطلاب يتناولون وجبة الغداء في المدارس، والنظام السائد هناك يقضي بأن يقوم بعض الطلاب- بحسب الدور- بإنزال الوجبات من الشاحنات، ويقوم آخرون بوضعها في الفصل، ويقوم فريق ثالث بإعادة الفصل بعد الغداء إلى سابق عهده، وهم يهدفون من وراء هذا النظام إلى تنمية روح المسؤولية، وتعويد الطلاب على الخدمة الاجتماعية، إلى جانب تعزيز مشاعر الانتماء للمدرسة، مما يجعلهم أقل ميلاً إلى التخريب الذي يمارسه بعض الطلاب عادة، إنهم يفهمون الطلاب هناك أن الشعور بالمسؤولية ليس أحاسيس تختلج في النفس، بمقدار ما هو أعمال وممارسات ومواقف وردود أفعال.. انتهى..) إن استثمار قدرات الطلاب والطالبات أثناء اليوم الدراسي لا يعود عليهم بالفائدة فقط في تلك المرحلة العمرية من حيث تنمية الوعي والإحساس بالمسؤولية والمحافظة على مكتسبات الوطن والتي هي بالتالي مكتسبات لهم شخصياً كمواطنين يمثلون جزءاً من كيان هذا الوطن، وإنما أيضاً في ذلك إكسابهم لمهارات العمل والتي ستنمو معهم وسيكونون جديرين بخوض مجالات العمل بعد انتهاء مرحلة الدراسة ووصولهم إلى درجة الإتقان، وأود طرح فكرة أظنها مهمة سواء للطلاب أو للوزارة، وهي تعتمد على جعل مدارس الوزارة ميادين لممارسة العمل اليدوي للطلاب، فيتم تدريبهم على العمل (كل حسب ميوله وحاجته واختياره)، ومن ثم تشجيعهم على تصليح الأعطال البسيطة في مدارسهم، وهذا عدا عن كونه ينمي لديهم الإحساس بالمسؤولية وحب العمل والتفاني فيه، سيكون عاملاً مهماً لحثهم على الحفاظ على مكتسبات مدارسهم التي ساهموا هم في تشغيلها وإعدادها للعمل، كما تعتبر هذه الخطوة معززاً قوياً لاتجاهات العمل لديهم وللتعرف على مواهبهم وقدراتهم والافتخار بها بين أقرانهم. ونتطلع كذلك إلى الارتقاء بمهنة التعليم فلا تظل مهنة من لا مهنة له، ففي الغرب ينظر للمعلم أو المعلمة نظرة تبجيل واحترام تنبثق من كون المعلم والمعلمة قد اختيرا على أسس أخلاقية تتناسب مع أرقى مستوى أخلاقي متواجد في تلك البلاد. أما في بلادنا فمع الأسف فينظر -على سبيل المثال- للخريجات وكأنهن أصبحن جميعاً بالضرورة مثلاً يحتذى في الخلق والدين، وهذا بالطبع غير صحيح، خاصة مع هذا الكم الهائل من الخريجات ومع حركة الانفتاح والعولمة، وعلى هذا ينبغي أن تتوفر معايير أخلاقية معينة يتم اختيار المعلمات على أساسها، والتحقق من مدى التزام الجميع بها كل عام، بحيث نتأكد من أن الأيادي التي تحتضن بناتنا في مدارسهن هي أيادٍ نظيفة، لم تتلوث بسوء خلق سينعكس بالتأكيد أثره على رؤية الطالبات وإدراكهن للأمور في مستقبل حياتهن. وأخيراً ندعو الله أن يحفظ بلادنا ويجعلها كما عهدناها واحة للأمن ومنبعاً للعطاء بعقول أبنائها وسواعدهم الفتية، وبفضل الله أولاً وأخيراً.
|