الثناء الصادق المعتدل مما يشعر الإنسان بقيمته، ويهزه إلى المكارم هزاً، فيقوده إلى الصفح والعفو وإحسان الظن والبذل، كما أنه دليل على كرم سجية المادح، وعلى بُعده عن الأثرة والشح، فهو من قبيل الكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة صدقة. ولا ريب أن هذه المعاني من أعظم ما يرتقي بالمشاعر، ويحفظ للناس أقدارهم، وينأى بهم عن السفاسف والمحقرات. بل إن كرام الناس إذا مُدحوا أبت لهم هممهم أن يكونوا دون ما مُدحوا به، فمن ذلك ما حُكي من أن هارون الرشيد لما سمع قول الشاعر:
تراه في الأمن في درعٍ مُضاعفةٍ لا يأمن الدهرَ أن يُدعى على عجلِ |
سأل عنه وعمن قيل فيه، فقيل له: لمسلم بن الوليد الشاعر، في قائد الجيوش يزيد بن مزيد الشيباني، وكان يزيد يقول للرشيد: والله يا أمير المؤمنين، لأحرصنَّ على ألا أكذب شعرائي فيما يمدحونني به، فأمر الرشيد بإحضار يزيد على الحالة التي يُصادف عليها، فأحضروه وعليه ثياب خلوته مُلونة، فلما نظر إليه الرشيد في تلك الحالة قال: أكذبت شاعرك يا يزيد! قال: فيم يا أمير المؤمنين؟ قال في قوله:
تراه في الأمن في درعٍ مُضاعفةٍ لا يأمن الدهرَ أن يُدعى على عجلِ |
فقال يزيد: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أكذبته، وإن الدرع عليَّ ما فارقتني، وكشف ثيابه، وإذا عليه درع مظاهرة. بل إن الثناء الصادق مما تنشرح له صدور العظماء، ويشعرهم بصواب ما هم عليه، ويقودهم إلى مزيد من الخير والإحسان، ويسد عليهم باب الكسل الذي يواجههم به. ولهذا سلكت هداية القرآن الكريم هذا المهيع، فكم هي الآيات التي ورد فيها الثناء من الرب الكريم - جل وعلا - على بعض عباده الصالحين. إنها كثيرة جداً، منها قوله تعالى في الثناء على نوح عليه السلام: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا}سورة الإسراء: 3)، وقوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} «سورة هود: 75»، وقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }«سورة النحل: 120- 121»، وقوله تبارك وتعالى في حق سليمان عليه السلام: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} «سورة ص: 30»، وقوله في حق أيوب عليه السلام: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}«سورة ص: 44)، وقوله في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}«سورة القلم: 4». أما السنة النبوية فحافلة في هذا المقام، ولو ألقيتَ نظرة في دواوينها وكتب المناقب منها على وجه الخصوص لرأيت عجباً، وإليك طرفاً من ذلك. جاء في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد، عن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كان عليٌّ رضي الله عنه تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر، وكان به رمد، فقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج عليٌّ فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأعطينَّ الراية - أو قال ليأخذنَّ - غداً رجلٌ يحبه الله ورسوله - أو قال: يحب الله ورسوله - يفتح الله عليه). فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا عليٌّ، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففتح الله عليه. وجاء في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي بمال أو بسبي فقسمه، فأعطى رجالاً وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عتبوا، فحمد الله ثم أثنى عليه ثم قال: (أما بعد، فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليَّ من الذي أعطي، ولكن أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وآكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب). فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم. فانظر إلى هذا الثناء، وانظر إلى أثره في عمرو بن تغلب رضي الله عنه حتى استغنى أن يطلب مالاً، فكانت هذه الكلمة أحب إليه من حمر النعم، وهي أنفس ما كانت عند العرب. وجاء في الصحيحين من حديث سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله رضي الله عنه قال: (كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصَّها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنيتُ أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنتُ غلاماً شاباً، وكنتُ أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال لي لم ترع. فقصصتُها على حفصة، فقصَّتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل). فكان عبد الله بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً. وجاء في الصحيحين من حديث أسماء بنت عميس الطويل في الهجرة وما دار بينها وبين عمر بن الخطاب، وفيه: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قلتُ: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا، قال: (فما قلتِ له؟) قالت: قلتُ له كذا وكذا. قال: (ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان). قالت: فلقد رأيتُ أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيتُ أبا موسى وإنه ليستعيدُ هذا الحديث مني. وجاء في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأعرف أصوات رُفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنتُ لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو العدو قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم). فهذه أمثلة يسيرة من السُّنَّة، والمقام لا يحتمل الإطالة في ذلك، وإنما هي إشارات يتبين من خلالها أن الثناء الصادق سُنَّة متَّبعة، وأن له آثاره الحميدة.
|