Thursday 12th May,200511914العددالخميس 4 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"سماء النجوم"

ما قبل الغروبما قبل الغروب
قصة: قماشة السيف

في هذه الساحة الخارجية للبناء شجرة مورقة عتيقة متجددة تمد أعراقها في الأرض وتواجه تقلبات الزمن بكل شجاعة كأنها تؤمن بشيء واحد فقط بأنها مدت بالصلابة والحياة وأن عليها أن تصبر وأن تصبر! وعندما كف المطر عن الانسكاب المتدفق ولم يتبق إلا قطرات تتبعثر هنا وهناك كانت خطواتي صوبها تتجه عبر ذلك الممر الضوئي الضيق.. (وكنت أحرص على معانقة المطر بسمعي وبصري وبقية حواسي الذي يمس روحي ويغسلها).
كان الذهن مني.. نقيا والريح مساهمة عني.. كان هو من عصافير ما قبل الغروب أتت به الريح فحط على الشجرة مسرفة الارتفاع بعد أن كان في نجعة جاب خلالها الأعالي.
وجدت نفسي أرقبه (كنت في صغري أطيل التأمل في طيران الطير وأغبطه على هذه القدرة وأتمناها لنفسي في عينيه المشعتين الصفراوين لمحت كثيراً من الرضا بما يملك، لا يملك هو غير هذين الجناحين من الريش والبراءة مع شيء من الكبرياء والانعتاق!
إنها لثروة لو اقترب إني لضجرة!
لكنه يخاف الإنسان ويأبى الاقتراب منه هنيئا له هذا الانسكاب في العلو والاتساع على أية حال، كنت أقولها لنفسي وأنا أسند ظهري إلى جذع الشجرة.
في الصيف الذي قبل الماضي أو الذي قبله أو الذي يليه تداخلت السنوات!
في ذلك الوادي الضوئي السحيق أذكر أني وجدت إشعارا ورموزا وحكما محفورة على جذوع الأشجار..
ذهب ناحتوها وبقيت هي كالشاهد الأمين.. أذكر الآن جيدا مرأى تلك الأشجار التي ضربت لنفسها بقوة منابت على حواف الجبال وشمخت بصمت رهيب أستشعره الآن أكثر من أي وقت آخر يمضي.
وأحسست أن نسغا مشتركا يسري بي وبالطائر وبالشجرة وفي أعراق الكون كله بديمومة مدهشة غامضة مرهقة للتفكير بين حين وآخر.
غير أنه يطير بروحه وجسمه الضامر!
غير أن هذه الشجرة تترفع بثبات وصمت رفيعين غير أن رجلي تنغرسان هنا!
أتيت من المدرسة هذا اليوم تعبة وما زلت إلى هذا الوقت تعبة.
عندما جاب واحد من أبناء هذه الأرض مجاهل الفضاء اعترتني فرحة غامرة مختلفة لكن السماء بعيدة دونها لجج دونهن لحجج، أرفع وجهي إلى مد السماء، أقلب وجهي في بعد السماء، أعود مخذولة، أحس خيوطا رقيقة بيضاء تكبلني، أين هي أجنحة آمالي المقعدة؟
تناهي منه حفيف أعاد انتباهي إليه، يملك هو صوتا وريشاً إذن!
وماذا أيضاً؟ أدار رأسه الصغير بخفة وحرك أجنحته الرمادية.. بمعنى آخر يملك هو أن يطير لكن يمزقه الوقت؟ أعرف أن النهار الأبيض موعد لسياحته في الفضاء والليل الأسود المطبق ليس كانطباق منقاره الأصفر الآن يروعه!
هز الغصن بحركة تشبه اليقظة المفاجئة المشوبة بالتوجس الملازم له.
هزة وانتقل إلى آخر هزة برقة شوق، ذلك الشوق الذي يأخذ بالحناجر يهز أوتارها.. ذلك الذي لا يرى كله ولا يسمع كله ولا يقرأ كله ليدرك كله!
لقد كان في نجعة وعندما حط على شجرة السدر لم يبد عليه اللهاث والتعب، لم يقس المسافة.. انسيابه كان عبر خيط واحد من النور المشع.. عم يبحث في التضاريس؟ إنها لا تثقله همومه الصغيرة فإنما أحلامه طرية يومية، لا يعرف الدمع والغضب لكنه غالبا يصفر.. كانت قدماي تنغرسان جلست مداوية التعب الذي لابد منه.
كل طيور الأرض الآن تعود إلى أوكارها السعيدة.
وكان الودق كما كان نقياً لؤلؤياً بارداً ضوئياً.
تتناهى منه نغمة عذبة كجزء من جوقة الكون التامة.
ويرتعش جسمه الضئيل لنسيمات هامسة نبهت ذاكرتي وحركت أعطافي واستحضرت لي بلحظات ما لم استحضره ساعة مع أعمق كتاب.. وإن كنت لا أستطيع أن أحدد ما يبوح به الطائر وما يرمي إليه وكيف أهتدي إليه وكيف له هذا التناغم!
ربما هو أفشى سراً كان قد طواه بين جناحيه!
ربما مر على التراب المنسي.. وسكب فوقه نغمة شجية منه وبضع عبرات مني.
عيناه ترنوان إلى الشفق البعيد.. كان على الشفق متموجاً من الهيبة والغموض.. كان على الشفق كذوب العسجد.
تذكرت الحبارى والكروان والحمام.. تذكرت الصقار العربي الجيد وأشهر الخريف.. تذكرت الصقر العربي المأسور وكان رجع يأتي لربابات شمالية وحداء هودج.
قدماي تنغرسان بثقل في هذا البيدر الصغير أما روحي فكانت شبحاً فوق الكواكب في فضاء من الحرية.
انقضى وقت هو دون الساعة، وعند الأصيل كان عمق السكون يزحف على كل شيء.. نفض القطرات عن ريشه.. انزلق بجناحيه الصغيرين على صفحة الهواء الرطب وابتعد.. ولأول مرة أكاد أفهم ما قاله الطائر.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved