إذا كان حضور مؤتمر أو مهرجان أو تظاهرة مسرحية عالمية مهماً بالنسبة للمهتمين بالمسرح، فإن الأهم والأكثر فائدة هو المتابعة والتقصي والرصد لكل شاردة وواردة ليس من أجل الاستيعاب وإنما للفرز والتغذية والتأثير طالما أن المشاركين في مؤتمرات أو منتديات كهذه قد أتوا من بلدان مختلفة التجارب والمستويات. ونحن إذ نشارك نعكس ما بأنفسنا وواقعنا دون الحاجة لمن يكتب عنا أو يجتهد أو يتقول نيابة عنا، وفي هذه الحالة أيضا فإن تواجدنا يبعد الاجتهاد بل يصحح ما قد يدور مما يخصنا. عند حضوري للمنتدى العالمي الدولي الأول لمسرح الطفل الذي أقامته المملكة المغربية الشقيقة في مدينة مراكش في الفترة من الأول وحتى العاشر من الشهر الماضي الذي اشتمل على عروض مسرحية وعروض موسيقية وعروض للكرنفال والأقنعة وورشات تنشيطية ومعارض رسوم وصور لأطفال العالم ومعرض لألعاب واقعية للأطفال مع إقامة منتدى ثقافي للمهتمين بمسرح الطفل.. هذه التظاهرة الأولى من نوعها التي أقدمت عليها وزارة الثقافة في المملكة المغربية لتمكين ذوي الاختصاص في ثقافة الطفل من قياس ردود الفعل لدى الأطفال فيما يقدم إليهم من عروض، وهي أيضا فرصة لتعويد الأطفال على تقاليد ثقافية جديدة. من خلال هذه التظاهرة الأولى برز العرض المسرحي كأهم الفنون وأقربها تقبلا من نفسية الطفل وميوله؛ لاشتماله على عنصر المشاركة والتفاعل وأعمال الذهن، ولاحتوائه على البُعد الثقافي الشمولي - طبعا حسب درجة إدراك الطفل. وإذا أخذنا هذا العرض المسرحي باعتباره أقرب العروض الجامعة لعدة فنون أخرى من ناحية، ولاشتماله على الجانب الخرافي أو الروائي أو فن التشخيص والتقليد القريبين من وجدان الطفل وميله إلى إشباع رغبته استماعا ومشاهدة ومشاركة في جو العرض، المشاركة هنا هي أيضا من مكونات العرض المسرحي.. وإذا أخذنا هذا اللون من العروض التي يكون إنتاجها سواء كانت من نوع مسرح العرائس والدمى التي يتم تحريكها بالخيط أو بقفاز من طرف مختصين في صنع وتحريك العرائس أو من نوع المسرح الذي يقام فيه بالتمثيل باستعمال الأقنعة أو الدمى العملاقة، نجد أننا ما زلنا لم نبلغ بعد درجة كبيرة من النضج الكافي في إنتاج أعمال مسرحية للأطفال باستثناء بعض الأعمال التي تعد على الأصابع أو تلك الأعمال التي تنتجها بعض الدول العربية خاصة في شمال أفريقيا وهي مسرح العرائس، وهي لا تخرج عن إطار المحاولة والتجربة. وهنا يجب أن نذكر دور مصر الرائد في مجال مسرح العرائس والذي ازدهر في الستينيات والسبعينيات ثم اختفى لأسباب لا نعرفها؛ ذلك أن عالم الطفل عالم غريب عجيب يعجز المختصون في سيكولوجية الطفل أو الذين حصلوا دورات وعرفوا عالم الطفل عن إدراك قناعات الطفل الصغير وفَهْم تطلعاته.. ولا أقول قول بعضهم بالنزول إلى مستوى الطفل؛ لأن مستواه ليس متدنيا كما يعتقد البعض، ولا الأخذ بيد الطفل إلى مستوى الكهولة (خلك رجال)؛ لأنه عالم غريب عند مخاطبته في موقعه. وللوصول إلى موقع الطفل يتطلب فَهْم عالم الطفل فهما علميا وليس تخمينا وتكهنا، ويجب التنبيه إلى الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها مَنْ يحاول التوجه نحو هذا الفن الصعب برأيي. والغريب أن بعضا من أهل المسرح والفن خاصة الهواة يتحولون فجأة وبدون مقدمات إلى ميدان الإنتاج للطفل من باب استسهال الأمر واعتباره أهون وأقل تكلفة من الإنتاج للكبار، وهو أمر له مضاره وسلبياته دون شك ما لم يستند إلى تحول ناتج عن قناعات ونضج فني وتمكن من الأدوات المعروفة والوسائل التي تنفع لإنتاج مسرح الطفل. ومَنْ تكون رغبته في إنتاج مسرح للطفل أن يستعين بأهل الاختصاص ممن تلقوا تدريبات في سيكولوجية ثقافة الطفل، ويا حبذا لو يكون هؤلاء من تخرجوا في اختصاص مسرح الطفل أو الأكاديميات المنتشرة في العالم العربي التي تهتم في هذا الشأن. أما الكتابة للطفل فهذا باب آخر وبحث طويل، وسأتحدث عنه في مقال آخر للتفصيل، لكن يجب أن يكون هناك متخصصون من الأدباء والمسرحيين للكتابة في مسرح الطفل، ويصبح لدى الأطفال تقليد مسرحي كتقليد جمهور مسرح الكبار. هنا يجب الإشارة إلى أن ما يقدم في المتنزهات والملاهي في منطقتنا ليس بمسرح طفل رغم الإعلان على أنه مسرح طفل، ولكنه عرض (Baby talking Show)، وهذا يختلف عن مسرح الطفل جملة وتفصيلا؛ لأنه يفتقر لأهم العوامل والعناصر لإنتاج مسرح طفل كما ذكرت سابقا. عندما دار النقاش في المنتدى عن مسرحية (وجبة سريعة) وهي من إنتاج جمعية الثقافة والفنون بالرياض حول التوجه إلى التراث كمادة جاهزة للمسرح وكان الانطباع من بعض المسرحيين لماذا لم يؤخذ التراث بحذافيره، قلت لهم أنا مع التراث حيث يستلهم منه، وحين نغرف من فكرة ومادة أو شريحة لتكون المنطلق لعمل مسرحي لا يُتقيد بقيود ذلك التراث وإنما كما ذكرت يُعتنى به ويطور مفهومه ليتلاءم مع العصر الذي يعيش فيه.. أنا لا أعرض الجاحظ فيما قدمه من حكايات لأقول انظروا هذا هو الجاحظ، لكنني أبحث في مدلولات أدب الجاحظ وفيما أراده الجاحظ من حقائق ما زالت مفاهيمها متألقة ومؤثرة في مجتمعاته.. ومن هنا لا يكون ذلك تصويرا لأدب الجاحظ وإنما استفادة منه وتأكيد على جذور تؤكد أصالة التراث وملاءمته للمسرح إذا ما أُحسن التعامل معه. إنني عندما أتحدث عن التراث - تلك السياحة البعيدة المدى في أعماق التاريخ - إنما أعتبر القيم والأخلاق والمواقف هي قيم أخرى أوشكت في عصرنا أن تذوب وتموت فإنعاشها أصبح واجبا لتأكيده وإعادة بعثها في نفوس الكثيرين من الذين لم يتعرفوا عليها أو يقتربوا منها، ولكي يكون هناك تواصل بين القيم التي ندعو إليها اليوم وبين تلك التي لم يعرفها هؤلاء حيث انقطع هذا التواصل، ولكي نؤكد على ما ندعو إليه ليس طارئا بقدر ما هو موجود في تراثنا. إنني أحب المحاولات التي استوحاها بعض المسرحيين من التراث؛ حيث كانت تقييمية له أولا وتأصيلا لمسرحنا من خلاله والمحاولة في البحث عن صيغ جديدة تعطي إلى حد ما هوية واضحة لمسرحنا العربي.. لكنني رفضت - وهذا حقي كمتذوق مسرحي - أن يكون مجرد اتكاء على التراث كي يقال إن هذا الكاتب أو المخرج قد جدد أو ابتكر شيئا جديدا في المسرح، فذلك في تقديري تفريغ لمضمون التراث شكلا وفكرا وحقيقة. هناك عدة عوائق يعيشها المسرح العربي منها التأثر الكبير بالمسرح الغربي الذي سيظل يلاحقنا سنوات وسنوات مادمنا عاجزين عن إيجاد خصوصيات لهذا المسرح، وما زلنا نعيد ونكرر صيغا جاهزة لنا أخذناها دون جهد ودون إبداع.. ليس عيبا أن نتعلم من الآخرين ولكن علينا أن نطور ما تعلمناه، وتلك حالة متقدمة وصحية. إنّ إبقاء ما كان على ما كان هو الضعف بعينه وهو التخلف بعينه. المسرح لا يموت كمفهوم وممارسة، وإنما الموت يأتي على الوسائل التقليدية المستعملة فيه، وهذه بدورها تجعلنا نرى الموت في المسرح لأنها وسائل بالية لا تواكب التجدد المعاصر.. فإذا ما أردنا لها وللمسرح الحياة لا بد من تجديدها على الدوام مع أخذ الخصوصية والتميز من بلد إلى آخر بعين الاعتبار.
جامعة الملك سعود - الرياض
|