Thursday 26th May,200511928العددالخميس 18 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

صور اجتماعية من حالة الالتباس القيمي في الأسرة السعوديةصور اجتماعية من حالة الالتباس القيمي في الأسرة السعودية
د. فوزية عبدالله أبو خالد

صورة أولى
لدينا سبعة صغار أكبرهم في السادسة عشرة كلهم بفضل الله ذكور، وأنا اليوم حامل بالثامن. ظللت أواصل الحمل أملاً في أن أرزق بطفلة أما زوجي فكان يرى أن أواصل الحمل ما دمنا نرزق ذكوراً. عقدة الموقف ليست في تفضيله الذكور فذلك الموقف يمثل تلك الأمنية السرية لدى معظمنا رجالاً ونساء وإن كان بعض النساء خصيصاً لا يملك الشجاعة ليجاهر بها. عقدة الموقف أنني بمرور الوقت أتحول من أم وزوجة إلى خادمة مجهدة مبددة الطاقة (مبهدلة) الهندام عليها أن تضطلع بجميع مستلزمات خدمة الذكور من الغسيل والكي والطبخ وترتيب الأسرة والمذاكرة للصغار إلى رفع الأطباق عن المائدة وتجميع فوضى البيت بعد أن يذهبوا للنوم. لقد فكرت في الاستعانة بخادمة ولكن حالتنا المادية رقيقة ولا تسمح بتحمل تكاليف مكاتب الاستقدام إن سمحت براتبها الشهري القليل على ما أسمع. حاولت منذ نعومة أظافر الفوج الأول من الأولاد أن أدربهم على القليل من المساعدة المنزلية لكن جنون زوجي كان يجن كلما رآني أجرب ذلك ويتهمني بأنني أريد أن أسلب أولاده رجولتهم في سن مبكرة.
فالأعمال المنزلية شأن من شؤون النساء. أنا منذ زواجنا أبديت تفهماً لموقفه هذا حتى إنني استقلت من عملي رغم ضيق ذات اليد نزولاً عند رغبته بذلك. وبناء على ذلك الموقف إلا أنني أجد من حقي وحق أطفالي أن نتمتع بقليل من نعمة التعاون في البيت. أريد لأولادي أن يشعروا بي ويشعروا معي كما أريدهم أن يتعلموا قيمة إيجابية نحو العمل المنزلي غير موقف استحقاره. أريد أن أعدهم لزمان غير زماننا. فهم قد يحتاجون التعاون مع زوجاتهم مستقبلاً ولا أريد للعنت الذي لاقيته في تحمل الأعباء المنزلية وحدي وفي اضطراري للتخلي عن عملي أن يتكرر مع نساء أخريات دون جدوى.
صورة ثانية
لم أكن أشتكي ولم يكن زوجي يشتكي، كان كل منا في سره وفي ظلام الليل على ما يبدو يقدم شكواه بين يدي الله. ونعم بالله، فبعد أربع سنوات من الانتظار الممض الصموت وبعد زيارات متباعدة لعيادة النساء والولادة وعلى غير ما توقع بإمكانية الحمل أصلاً، رزقنا بثلاثة توائم. كانت فرحتنا وزوجي لا توصف. كان يهاتفني من العمل ليطمئن على الصغار ويتأكد بنفسه من أنني قدمت لهم كل ما يحتاجون من رعاية وحنان أثناء غيابه.
غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد فهو يريد أن يصير كل شيء بالنسبة لهم، الأم والأب والعم والخال والجد فضلاً عن الجدة أيضاً. وكان هذا الأمر في البداية يسعدني ومع استفحاله صار يضايقني بل أصبح يزعجني. فأنا ليس بدافع العاطفة فقط وليس بدافع الغيرة لا سمح الله بل إن هذا ما تعلمته في أسرتي وممن حولي من جيران وصديقات أرى أن الاهتمام بالأطفال ورعايتهم واجب من واجبات الأم الذي يجب ألا ينازعها عليه أحد خصوصاً وأن اثنين من التوائم بنات. أما زوجي -هداه الله- فلا يترك فرصة للتدخل في شؤون الأطفال إلا ويفعل من اللعب معهم إلى المذاكرة لهم. وهذا أيضاً كثيراً ما يحرجني أمام أهله وعلى الخصوص والدته. فهم يشعرون أن ما يجري أمامهم هو تدجين لابنهم ربما سخرته له عن طريق السحر أو ما شابهه. وهم لا يعلمون أنني أشعر بالامتعاض من هذا الموقف الذي أرى أنه به إنما يسلبني حقاً من حقوق أمومتي وعدداً من واجباتها كما اعتدت عليها من أمي وكما اعتادتها أمي عن أمها عن جدتها. كما أنه فوق هذا وذاك يفسد عليَّ صورته كفارس أحلام حنون ومتعالٍ في نفس الوقت.
صورة ثالثة
كانت الطريقة الوحيدة التي تشعرها بقيمتها عندي هي هدية الذهب. فلا الحب والحنان ولا كلمات الغزل ولا الوقف بجانبها في حزن أو فرح يفعل المفعول السحري لتلك الهدية الباهظة. وكنت في البداية أشعر أن تمسكها بهدية الذهب هي مجرد اختبار مؤقت لعلاقتنا ومدى تعلقي بها كعربون لتوطيد أواصر علاقتنا الناشئة في عش الزوجية الجديد لرجل في الأربعين وعروس في السابعة عشرة. ولم يكن ينزل في السوق موديل جديد لأسورة أو عقد أو أطقم ماس وفيروز إلا وأجدها تعرف عندها وكأنها تعمل مورداً أو صائغاً لتلك السلع الرائجة. ثم أجدها تسوق الدلال والجمال والدمع إذا لزم الأمر بشكل يفقدني مقاومتي إلى أن أقتنيه لها. غير أن لا تراكم سنوات العشرة ولا امتلاء بيتنا بالأطفال استطاع أن يغير من غيها بهدية الذهب. وكنت إذا عاتبتها أو ناقشتها في ذلك المقياس المادي الذي لا ترى سواه في قياس درجة حرارة الحب الذي أكنه لها وفي وزن ما أحمله من احترام لشخصها ولرابطتنا الزوجية تلتزم الصمت لأيام بل الهجر في المضاجع ولا يخرجها من حالة الإضراب تلك إلا أن آتيها بقطعة ذهب جديدة. والأدهى والأمرّ أنها لم تعد تكتفي بأساليبها القديمة في سوق الدلال والغنج أو الاعتصام والامتناع لتحملني أو بالأحرى تبتزني لشراء المزيد من تلك البضاعة البراقة. بل إن هدية الذهب صارت سلاحاً تشهره في وجهي وتستخدمه في التنكيل بي أنّى رغبت في الذهب أو في التنكيل بي أو الاثنين معاً. فتفتعل الخناقات وتزلزل استقرارنا الأسري وتبلبل الأطفال بل إنها قد تذهب إلى بيت أهلها وتمكث هناك بالأسابيع ولا تعود إلا بما تسميه كما في قصة قرأتها لفوزية البكر ب(الرضوة) رغم أنها البادئة بالقطيعة دون سبب غير سبب الذهب.
و(الرضوة) الوحيدة على أي حال التي تعترف بها زوجتي هي ليست أن أقوم بالاعتذار أو التراجع عن الفعل الذي تدعي أنه أغضبها مني بل (الرضوة) هي هدية الذهب. وقد يخيل لكم بل ولي أحياناً أنني إما أن أكون ضعيف الشخصية لأبدو كالمستسلم لقدر الذهب في علاقتي بزوجتي وأطفالي أو أنني ثري ثراء فاحشاً فأبدو وكأنني في نظر زوجتي صاحب منجم ذهب أو أنني معسر أو بخيل فأردد مثل هذه الشكوى.. ولكن كل ما يظن بي بما فيه ظني في نفسي لم يعد يشغلني كثيراً، فما يشغلني هو أن فيروس الذهب قد انتقل إلى بناتي وهن بعد في عمر المراهقة. فيرعبني أي أسر ستتكرر مأساتها لنساء لم يجعل لهن المجتمع قيمة في أنفسهن إلا قيمة المقتنيات.
صورة رابعة
أشعر أنها أمي الحقيقية، فهي التي أفتح عيني على وجهها حين توقظني للذهاب إلى المدرسة كل صباح، وهي التي أذهب في صحبتها إلى المطاعم والملاهي، وهي التي تسقيني الدواء إذا مرضت، بل في حالات أشعر أنها ربما أحضرتني معها من الفلبين ولكن لأمر ما فإن أمي وأبي يخفون عني الحقيقة ويقولون إنها الخادمة وإنني ابنهم. فأنا أتكلم (التجالوا) والإنجليزية بطلاقة بل إنني أستطيع التعبير بأي من اللغتين عن حالة الغضب أو السعادة عندما يعتريني أي من الشعورين أكثر من استطاعتي التعبير باللغة العربية.
ومع ذلك فإن أمي تغضب بل وتستشيط غضباً إذا لاحظت أنني أقدم لأفلين فروض الاحترام أو الحب.
فتصرخ بي ثم تسحبني على مكتب أبي ليقولا لي إن أفلين مجرد (شغّالة) ولا يجب أن أعاملها بأكثر من حجمها وإلا فإنهما سيعيدانها إلى بلدها. عندها أنكس رأسي بخضوع وأذهب إلى غرفتي حيث لا ترى دموعي إلا أفلين ولا تمسحها غير يدها الخشنة من كثرة العمل.
صورة خامسة
أعيش حالة بلبلة وتذبذب من أوامر أمي وأبي المتضاربة. فأمي لا تريدني أن ألبس إلا (بدلة) أو بنطلون جينز أو قبعة وتقول إنها أسهل في الحركة والتنظيف. وهو لا يريدني إلا أن ألبس ثوباً وغترة. تقول أمي إنها أكبر من حمل كتفي. هي تشتري ملابسي من الفيصلية والمملكة ويجب أن تكون ماركات وهو يشتري ملابسي من البطحاء والحلة ويقول كله (خلاقين). وهو لا يريدني أن ألعب مع غير أبناء عمومتي من الأولاد وهي تتركني ألعب مع أخواتي أو بنات وأولاد الجيران من بلادنا وبلاد الشام فيغضب أبي ويردد وهو يشد أذني: (الولد مع البنات طقته شوكة ومات). هي تسمح لي بمشاهدة أفلام الكرتون في غيابه وتشتري لي كتباً ملونة وهو يعطيني كتباً كبيرة بدون صور لأحفظ محتوياتها، وعندما أسأله عن معناها يقول: (بعدين)، عندما تكبر. المصيبة أن كلاً منهم يصر على أنني أشبهه قلباً وقالباً وحين أنظر في المرآة أسأل: من أنا؟ إلا أنني أفعل ذلك بصوت خفيض حتى لا يسمعه أي منهما فتندلع حرب.. كل يعتبرني غنيمته فيها.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved