الاشتغال بالتجارة لا يصنع محبة الناس، فالتاجر إذا لم يخدم إلا نفسه ومصالحه وظل بعيداً عن المشاركة بماله في خدمة مجتمعه وتنمية وطنه عاش وحيداً ومات وحيدا، مادام لايذكره أحد بمآثره أو مكرمة أو فضيلة، أو فعل المعروف، وما أكثر الذين كنزوا المال في هذه الدنيا وماتوا دونه ليصبحوا نسياً منسياً من بعده. وقس على هذا عشرات الأسر التي كانت في يوم من الأيام من ألمع الأسماء التجارية انتهت بانتهاء تجارتها وعاشت من بعدها أسر أخرى خالدة في ذاكرة الناس، تحتفي بها الأوطان، ويتغنى المجتمع بمناقبها، وترطب الألسنة عند ذكر إحسانها وتدعو لها القلوب بدوام الخير. ومن هذه الأسرة التجارية المميزة بخدمة الأوطان ومد يد الخير بالإحسان أسرة آل بقشان التي بلغ عمرها التجاري في المملكة أكثر من مائة عام. عرف لها قدرها خبير الرجال جلالة الملك عبالعزيز -طيب الله ثراه- فقربها إليه، وائتمنها على أداء بعض خدماته وأوكل إليها كسوة بيته وأبنائه الأمراء حيث كان يشتري من أقمشة بقشان. وتجارة الأقمشة هي العمل العريق الذي بدأت به هذه الأسرة، واحتلت هذه الأسرة المكانة نفسها لدى جلالة الملك سعود -رحمه الله- وكبرت هذه المكانة لا بتوسع هذه الأسرة في مناشطها التجارية بل بتوسعها في مناشط الخير وأعماله والمساهمة بشهامة في إعمار الإنسان والأوطان ببذل الأوفياء وسخاء الكرماء حتى بلغت هذه المكانة ذروتها في عهد جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز، حيث أصبح الشيخان عبدالله سعيد بقشان وأحمد سعيد بقشان من الرجال الثقاة المقربين إليه المسموعي الكلمة لديه. تعامل الأشقاء الثلاثة (عبدالله) و(أحمد) و(سليمان) أبناء الشيخ سعيد سليمان بقشان مع جزيرة العرب بصفتها وطناً واحداً، لم ينسوا وطنهم الأول حضرموت الذي ولدوا فيه. ولم يهجروه كما هجره غيرهم، فلم يزره قط، ولم ينتقص هذا الوفاء من حبهم وعطائهم وولائهم لوطنهم الأكبر المملكة العربية السعودية الذي انفتحت لهم فيه أبواب الخير، ويعود الفضل بعدالله سبحانه وتعالى له ولحكامه الميامين فيما تحقق لهم وعلى أيديهم. * قسم الإخوة الثلاثة مهام عملهم التجاري والخيري بين وطنهم، فكان الأخوان (عبدالله) و(سليمان) يقضيان الكثير من وقتهما- خاصة في العهود الأولى- في حضرموت، وتولى (أحمد) قيادة العمل التجاري والخيري في المملكة، يروي السلطان غالب بن عوض القعيطي آخر سلاطين الدولة القعيطية في حضرموت الذي يعيش حالياً في المملكة عن ما قامت به أسرة آل بقشان من دور كبير في تعزيز العلاقات بين الوطنين الجارين إبان حكمه وحكم آبائه في حضرموت، ويذكر أن الشيخين عبدالله وأحمد سعيد بقشان يدخلان على عظمة السلطان صالح بن غالب القعيطي كما يدخلان على جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز دون التقيد بالبروتوكولات السلطانية والملكية بحكم الثقة التي كانا يتمتعان بها. ويذكر السلطان غالب أن الشيخ عبدالله سعيد بقشان كان يقوم بدور رسول شخصي بينه وبين الملك فيصل حيث كانت اتفاقية الحماية البريطانية تمنع السلطان القعيطي من التخاطب مباشرة مع زعماء الدول الأخرى إلا بإذنها (!!) وشهد السلطان غالب بدور أسرة آل بقشان في تسهيل عمليات النقل وتمهيد الطرق وحل المنازعات القبلية، وأصبح بيتهم في خيلة كما هو حال بيتهم في جدة المكان الذي تحط عنده رحال الكبراء وتنتهي عنده حاجات المساكين والمكروبين والفقراء، وقد فتح الشيخ أحمد سيد بقشان باسم الأسرة بكامل موظفيه لتوفير أسباب الإقامة والعمل إن أمكن، أو العلاج وتقديم كافة أنواع المساعدة للقادمين من حضرموت في أوقات الشدة التي مر بها ذلك الوطن، حتى أثر عن جلالة الملك فيصل قوله للشيخ أحمد سعيد بقشان عندما دخل عليه لاستئذانه في القيام بهذا الدور: (توكل على الله.. فمن لا خير فيه لأهله لا خير فيه لغيرهم). وعلى هذا المبدأ، مبدأ (من لاخير فيه لأهله لا خير فيه لغيرهم (الأقربون أولى بالمعروف) سار الأبناء على طريق الآباء كما سار الآباء على طريق الأجداد، فما يقدمه الآن عبدالله بن أحمد سعيد بقشان ومرعي بن عبدالله سعيد بقشان وأحمد بن سليمان سعيد بقشان وغيرهم من أغصان هذه الدوحة الوارفة الظلال ماهو إلا خطوات على طريق طويل يرصف بالوفاء والولاء وصناعة المعروف انطلق من خيلة، فكانت الطريق منها إلى مكة المكرمة، ثم أصبح الطريق الدائري عائداً إليها بعد قرن من الزمان، ولعل هذه الفكرة كما كانت في ذهني كانت في أذهان الكثير من ركاب طائرة عبدالله أحمد بقشان الخاصة التي انطلقت من الرياض يوم 29-3- 2005م، وخاصة في لحظة الهبوط على مطار الريان، مطار حضرموت، وكان هناك من يشير على الأرض المنبسطة التي تنتهي بتلال توارى خلفها وديان، بأن ذاك هو الطريق إلى خيلة، فقال الصديق الدكتور عمر عبدالله بامحسون العارف بحكاية طريق خيلة، قال وهو يترحم على الشيخ سليمان سعيد بقشان: (لابد من خيلة وإن طال السفر)!. فما حكاية الشيخ سليمان مع الطريق إلى خيلة؟ وما الذي كان يدور في أذهان أعضاء الوفد الاقتصادي السعودي لحظة هبوط الطائرة مطار حضرموت؟
وللحديث بقية.. |