قبل أكثر من عشرين عاماً أولينا تأسيس البنى التحتية جل اهتمامنا، وكانت تأتي بنودها على رأس قوائم التخطيط، وربما كان أكثرنا حينها لا يدرك معنى مفرداتها العويصة على الفهم البسيط، ولكنها كانت تعبر من الأذهان بطواعية صماء. وحين عبرت بنا السنون ومضى الوقت ولم تمض هذه الخطط، اكتشفنا أن هناك رديفاً اخترعته الحاجة ومسمى ملحاً انبثق من الواقع المعاش، وها نحن نسأل: ماذا عن البنى الفوقية؟ وماذا عن الإنسان الذي يفترض أنه ينعم بالبنى التحتية التي صرفت عليها الدولة بسخاء وكرم، واسألوا الميزانيات للمواصلات والمشاريع والبنى العصية على الفهم، ما الذي رافق الإنسان من هذه التفاصيل الضخمة؟ هل تغيرت عقلية المواطن؟ وهل استثمرت مسائل النمو والوعي والابتكار والثقافة لدى العامة الذين يسيرون على طرق معبدة ويتعاملون مع أجهزة حديثة ويرفلون في مكيفات المجمعات التجارية ويتجولون بلا هدى أو هدف؟ البنى الفوقية، رغم أنها مسمى اخترعته رديفاً لشرح فكرتي ليس إلا، هي الاعتناء بمقومات الإنسان، وفتح الآفاق التي أغلقت وأهملت وأقفل على أثرها العقل السعودي إلى أجل غير مسمى، وهي المشكلة الملتهبة التي نواجهها في الاختلاف أو مجرد طرح فكرة. ما الذي جعل السعودي يتقوقع على نفسه ولا يرى سوى عالمه هو ومنظوره هو، بل وينفرد من جانبه بأنه الصواب، وغيره الخطأ، لا بل يرى الكثيرون منا أنهم يحملون بوادر الوصاية على المجتمع بأكمله، وما أن تطرح فكرة جديدة فإننا لا نناقشها، بل يهم البعض بأصحاب المبادرة ويحيطونهم بالوعيد والتهديدات عبر رسائل الهواتف والاتصالات المجهولة. هذه الثقافة ما الذي مكنها من الضمير المحلي، وما الذي جعل البعض يعيشون في أبراجهم المعتمة بانتظار الحكم على من لا يوافقهم والحجر على كل المسائل الملحة والضرورية؟ وكيف لنا أن نتعايش أو حتى نقبل بمثل هذه الهمجية في التعامل، والتي لا تشبه سوى قانون الغاب والفوضى الاجتماعية؟ المحددات الشخصية يجب أن تستظل تحت شجرة القانون الذي يجب أن يحمي الجميع، ومثل هذه الوصاية لا تأتي بمنطق النصيحة المسالمة أو الاختلاف الوارد، لكنها تتحول إلى انقضاض بشع تدل ملامحه على عدوانية كامنة، وهنا أشبهها بالكائنات التي عاشت في غابات نائية واستوحشت حين دخلت إلى كون آخر تتلون به الأطياف وتتموج الاختلافات، فأصبح من الصعب عليها التفاهم إلا بالانقضاض على كل ما حولها. في زمن كهذا، لا أظن هناك شيئاً اسمه: لقد مضى الوقت، الوقت الآن وقت فسيح ومرن وقابل على استعادة التصحيح، وفي هذا المسار تحديداً لا يمكن لهذه العقلية أن تبصر النور، ما لم تفتح آفاق أخرى للمعرفة والتطور والتركيز على مهارات وثقافة الفرد باتجاه الوعي، ولا شيء غير الوعي.
|