من طرائف ما يمرُّ بالكُتَّاب ما يعترضهم من مزاحمة الإعلان، ومن حيث يبقى الإعلان مصدر دخل ودعم لقوّة الصحيفة، يبقى (الضُّرة) التي تُصيب الكُتَّاب بحساسيَّة مفرطة... أذكر أنَّ إحدى الكاتبات عندما زاحم بل داهم الإعلان الصفحة التي كانت تكتب ملتزمة بها قد غضبت وهي تحدِّثني تقول: (وهل الإعلان رجل ينطق ويفكر ويتدبَّر الأمر بحيث لا يختار يوماً سوى اليوم الذي تظهر فيه زاويتي؟) أمَّا زميل آخر فقد واعد زملاءه بموضوع وحين اكتشف في عدد اليوم الثاني تأجيله من أجل إعلانٍ اُختيرت له صفحة لا تُنْشَرُ مقالته إلاّ بها (حنق) وبدَّد ساعات في مهاتفة أصدقائه، مؤكداً لهم (أنَّه لم يدَّعِ وأنَّه كان صادقاً في وعده)... هناك على مراحل تجربتي في الكتابة مع الصحف أعلم أنَّ أقلاماً توقَّفت غيرة من الإعلان بعد أن نشبت حوارات ساخنة بين أصحابها ورؤساء التحرير فيها، وبعضهم كان يناقش الرؤساء في محور أنَّ هناك تفرقة في التعامل بينهم وبين كتَّاب آخرين في الصحيفة لا تتعرَّض مقالاتهم أو أعمالهم للتأجيل من أجل الإعلان. وهناك مَنْ يقيس حرص الجريدة على ما يكتب إن لم تتعرَّض زاويته للتأجيل بالإيجاب وإن حدث فبالسَّلب... وهناك من رؤساء التَّحرير في المقابل من يحترم كاتبه فيوضِّح له موقف الصحيفة من الإعلان حين تأجيل مقالته بسببه، وبعضهم لا يفعل اعتقاداً منه بأنَّ الكاتب لا علاقة له بالأعمال الإدارية وليس من حقِّه معرفة أهميَّة الإعلان، وهناك من لديه البُعد الإداري الشَّفيف بحيث لا يخسر كتَّابه فيشاركهم وإن حدثت المشاركة بمهاتفة اعتذار سابق بأنَّ ما يكتبونه سيؤجَّل، وهناك من يقدِّر أنَّ الكاتب هو جزءٌ مهم في نجاح صحيفته فيضع له الاعتبار اللاّزم... وهناك منهم من يخسر كتَّابه على توقِّع أنَّ غيرهم سيحلُّ مكانهم وأنَّ الدَّواة لم تتوقَّف عن شحن الأقلام... ومنهم من يحافظ على كتَّّابه اعتقاداً بأنَّ لهم نصيباً في نجاح صحيفته ومن ثمَّ فهم ليسوا كقطع الأثاث. ويبقى (الإعلان) مصدر جدل صامت وناطق بين الكاتب والصحيفة ففي الوقت الذي تُقاس به الصحف في مستوى الجودة والنجاح والتأثير بكتَّابها تبقى عملية القياس مرهونة بإعلاناتها ذلك لأنَّ من أهم مصادر نجاحها الإعلان... لكن، فيما يكون الكاتب مصدر نجاح القوَّة الضّمنية التي ترتكز عليها اهتمامات القارئ وتجعله يخصِّص الصحيفة التي يقتنيها والوقت الذي يهبها، يكون الإعلان مصدر المال الذي تتطور به آليات الصحيفة، وفنيَّاتها، وأساليب نشرها، وطبعها، كلاهما لا يقلاّن أهميَّة...، ولكنَّهما مصدرانِ لقلق رئيس التحرير الذَّكي الذي يُحسن كيف يلعب في الوقت المناسب مع دفَّتي نجاح أو فشل صحيفته... وتبقى مواقف كثيرة على درجة من الطرافة، وربَّما المفاجأة في تقبّل الكاتب الضّرة المهدِّدة لانسيابيَّة انتظام نشر ما يكتب... على الأقل لم أتعرَّض لها شخصياً مع مبالغة مداهمة الإعلان لموقع زاويتي... إلاّ أنَّني أجد رئيس تحرير على درجة من الذَّكاء والوعي إذ جُلّ همَّه أنْ يكون لصحيفته عناصر نجاحها دون مساس أو تداخل.
|