في عالم اليوم المضطرب قد يفيد كثيراً أن يسعى الكبار إلى تقديم أمثلة لكيفية السلوك الدولي المرغوب فيه سعياً إلى تخفيف التوتر ولتوفير فرصة لالتقاط الأنفاس لكثير من بقاع العالم، علها تقبل بروح جديدة على معالجة مصاعبها الداخلية أو الثنائية مع الدول الأخرى. فالضجيج الذي يملأ آفاق العالم حول خفض الأسلحة النووية أو عدم السماح بانتشارها يصدر بالدرجة الأولى من دول نووية هي ذاتها مطالبة بخفض ترساناتها النووية، أو هي قد تعهدت بفعل ذلك خلال اتفاقات ثنائية مثل تلك القائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولو أقدمت الدول النووية الكبرى على خطوة من هذا القبيل لقدمت مثالاً طيباً إلى الآخرين في الدول النامية التي يتطلع بعضها إلى حيازة إمكانيات الردع النووي خوفاً من المنافسين الذين قد يملكونه أو حتى لرفعه في وجه الدول العظمى إن هي تجاوزت كل الخطوط الحمراء وهدّدت أمنها القومي. هذه المشكلة تتعقد من خلال سماح دول كبرى بتسريب التقنيات والخبرات النووية إلى جهات أخرى في العالم ومن ثم فإن وجود هذه الامكانيات في أحد أقاليم العالم قد يشعل قدراً من الصراع في ذلك الإقليم، وهو أمر يهدد مباشرة الوضع في العالم ككل، كما أنه يشغل الدول المعنية عن واجباتها في النماء والبناء ومن ثم تتواتر جملة من المشاكل المتداعية عن هذا التقصير في واجبات الدول تجاه شعوبها. وفي هذا المقام قد تفيد نصائح ذوي الخبرة في المحيط الدولي ومنهم روبرت ماكنمارا، وهو وزير دفاع أمريكي أسبق، كان له باع طويل في حرب فيتنام لكنه اتخذ موقفاً مناهضاً للحرب، وهو يرى أن تسعى الدول التي تطالب بالحد من الانتشار النووي مثل الولايات المتحدة هي ذاتها إلى خفض ترسانتها النووية وألا تسعى بما يتوفر لديها من هذه الأسلحة إلى تهديد الآخرين بها، وهو فضلاً عن ذلك يثمن عالياً الوسائل الدبلوماسية أكثر من الركون إلى لغة التهديد والوعيد ويحذر كثيراً من اللجوء إلى التهديد بالإطاحة بالأنظمة.. ويقول أخيراً إن السياسيات الأمريكية الحالية بهذا الصدد مدمرة. ومن المؤكد أن عالم اليوم يحتاج إلى أصوات أكثر عقلانية تعيد إليه قدراً من توازنه، إذ إن لغة الوعيد والتهديد لا تترك خياراً أمام الكثيرين سوى السعي الحثيث لامتلاك أسباب القوة وهم يفضلون من ثم، الوصول سريعاً إلى السلاح الأمضى في ترسانات اليوم وهو السلاح النووي الذي يعتبر الحصول عليه امتلاك ميزة الردع النووي، أي أن تصبح الدولة محصّنة من أي هجوم نووي لأن الذي يفكر في مهاجمتها يعلم أنها تحوز ذات السلاح ومن ثم فإنه لن يقدم على ذلك.
|