تبعثر تلك الصور وتلمّع تلك البراويز.. ثم تعيد تصفيفها وترتيبها بشكل آخر.. بعد ان تقبل كل واحدة على حدة. وبقبلات الأمنيات تتمنى أن يكون لها ولو واحدة من مثل هذه المجموعة لهذا الكم من الصور والتي بدأت في جمعها منذ سنوات. منذ بدأت تشعر بذلك العطش: عطش الأمومة إلى الطفولة عطش يكاد يفتت حنايا صدرها كما بدأ يتآكل معه عماد صبرها، جفاف ترتعد منه شرايين قلبها والشوق إلى الطفولة يحشو أروقة قلبها الظمآن. وتلك الدموع تغشى الخدود حيال تلك الشطآن. من عينين مسقوفتين ببريق الأنظار.. وجسد تهذي مساماته بترانيم الوله. انها شمعة يكظمها السؤال.. تأمل أن يفوح الشعر في جراح الأمل.. وجراح كضفة من ورد تنتظر أن يزهر في ربوع اللحظة عوسج موعود.. بتفاؤل ينبت ورداً على ضفاف الجراح. هنا وبشكل لا إرادي تنسحب خلف رغبة أذنيها حينما يشدها شدو الأطفال وهي تغرد كالعصافير فتقف أمام الشباك بلا شعور بالملل إلى ما شاء الله وبابتسامة من شفاه ارهقها الحنين حتى ينصرف آخر طفل من عند باب الروضة المقابلة لمنزلهم. تغرس نظراتها في ورقة التقويم أمامها. تحدق فيها بعمق.. تبحر عبرها في مسافات السنين. ترى الشبه كبيرا بينها وبين تلك الرزنامة.. التقويم.. فأيام عمرها تُقطف وتُرمى يوما بعد يوم. اقتحمت جسدها المنهك قشعريرة التوتر. تعتصر بموجاتها مسامات عطشى. حرّكت أجفانها حركات متتابعة لتنفض من على اهدابها دموعا ثكلى: تحاول أن تنفض معها غبار الخوف والتردد لم تيأس يوما من كرم الله. ولكن التعقب قد نسج عليه العنكبوت خيوطه في ذلك الرأس الذي يحمله من بعد زوجها شكلا ولم يشعر بمعاناتها يوما. هي تضحّي بعمرها.. أياماً تحترق تحت لهب الانتظار تحلم حلما أزليا لم يزل في قيود الأسر يثور بهياج لو حاولت ان تفتح معه الموضوع يقول لها: إن زيارة الطبيب طعنة لكرامته من خنجر العار وانه -اصلاً- ليس بحاجة لتلك الزيارة ويختصر الطريق لأقرب الحلول: ان يعرض فكرة زواجه من أخرى ليكتم أنفاس الأمل في بريق عينيها.. ويسكت هاجسها المزمن.. ثم يتراجع عن تلك الفكرة مظهراً بطولة أخرى مزيّفة في ساحة عدم المبالاة بمشاعر تلتهب.. أجل.. ان ما يمنعني من ذلك هو حبي لك واحترام خاطرك.. ومع انها لم تقتنع تماماً إلا انها تحاول الانشغال بحمل أكواب الشاي من أمامه.
|