* تحقيق - فهد الغريري: هل يوجد لدينا مهن أو حرف يدوية أصلاً حتى نقول إنها اندثرت؟! هكذا جاوب الشاعر والكاتب محمد الرطيان على سؤالي بسؤال، فعلى الرغم من أن سؤالي الأساسي كان يتمحور حول (الانقطاع) الذي حدث في تطورنا الحضاري فيما يختص بالعمل اليدوي إلا أن بعض ضيوفي قام بتشريح السؤال رافضين التسليم بما فيه من إثبات لوجود قيمة للمهنة في المجتمع السعودي أصلاً. ويضيف الرطيان موضحاً وجهة نظره: نحن شعب - وإلى عهد قريب - نحتقر كل صاحب (صنعة) ونجعله في مرتبة اجتماعية أقلّ! مؤكداً أن هؤلاء الذين يتم عرضهم علينا في كل عام من خلال مهرجان الجنادرية حسب تعبيره لا يمثلون إلا شريحة من الكيان السعودي، معتبراً أن هذه الشريحة ستنقرض قريباً وحول الجنادرية أيضاً قال الكاتب ثامر الميمان: حولنا الجنادرية إلى متحف يتكرر كل عام نعرض فيه بسطاء الناس من أصحاب المهنة، فخورين بهم وكأنهم رمسيس الثاني! أما الدكتور عبدالواحد الحميد فيشير إلى حقيقة أخرى وهي أن بعض المواطنين كانوا يأنفون من الأعمال الحرفية اليدوية، خصوصاً في بيئتهم المحلية، فلا يمارسونها إلا عندما يهاجرون إلى خارج مجتمعاتهم الصغيرة بحثاً عن لقمة العيش، مؤكداً أن هذه الممارسة تشكل خللاً ربما ترك أثره الذي استمر رغم تغير الزمن والظروف. ومن جانب آخر يبدو أن هذه الصورة الذهنية انتقلت بالوراثة فها هي الباحثة الاجتماعية والكاتبة ناهد باشطح تؤكد أنه نشأ لدينا: جيل لا يعرف عن الحرفي إلا أنه شخص فقير، مشيرة إلى أن هذه الصورة الذهنية هي التي تقلل من احترام المهنة. * ما سبب وجود هذا الخلل أياً كان؟ - هذا ما يتناوله ضيوفنا بالنقاش من خلال طرح هذا الموضوع عليهم.. فإلى التفاصيل: التفاصيل الدكتور عبدالرحمن الحبيب يعيد سبب وجود هذه الصورة الذهنية إلى التركيبة العقلية في المنطقة التي سيطرت عليها الطبيعة الرعوية، إضافة إلى خصائص البداوة، مؤكداً أن الطابع الاقتصادي لمثل هذه المجتمعات هو: (ريعي مكتفٍ ذاتياً ينعدم فيه التخصص والمنافسة الإنتاجية وأن الأفراد يتشابهون في المعرفة والخبرات)، ويؤكد الحبيب أنه في مثل هذه المجتمعات يفقد العمل قيمته في كونه إنتاجاً اقتصادياً ليتحول إلى مجرد: (شعور بالمسؤولية الجماعية وفزعات وتقاليد مرتكزة على اعتبارات قرابية أو أخلاقية مع الافتقار للتنظيم والاحتراف والحرية الفردية واحتقار للمهن والصناعات والفنون والأعمال اليدوية). ويؤكد الحبيب أن هذا الفكر ظل حاضراً حتى مع دخولنا في عصر العولمة وحتى مع توفر الإمكانيات المادية والبشرية التي عادة ما تضمن وعياً أكثر: (يشجع اقتصاد الريع النفطي القائم حالياً في أغلب الدول العربية النفطية على الإنفاق والاقتناء وليس على الاستثمار وتنظيم الإنتاج، ويحتاج الابتكار والاختراع إلى وقت وجهد ومال أغلبها تذهب لقطاع النفط الموكل جل الجوانب الكثيفة المعرفة فيه إلى الشركات الأجنبية، إضافة لذلك فإن جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي يتركز على النشاطات الأولية وإنتاج السلع الاستهلاكية التقليدية المعتمدة على الشركات الأجنبية مما يفضي إلى جمود المعارف الإنتاجية). الشارع السعودي.. ليس سعودياً! والرطيان - بوصفه شاعراً - يتلمس أثر ذلك على الثقافة واللغة: (انزل إلى الشارع، تجول في كل المحلات، ستسمع كل اللغات واللهجات إلا لهجة واحدة محببة إليك لن تسمعها وهي السعودية وستصل إلى نتيجة مفزعة وهي أن الشارع السعودي.. ليس سعودياً!) وفي نفس السياق يلقي محمد الرطيان باللوم على (الطفرة) التي نزعت ثقافة المهنة من الجيل الجديد ومنحته ثقافة الاستهلاك، ويضيف ملخصاً ما حدث: (نحن فجأة ودون مقدمات صحونا فوجدنا أنفسنا في فيللا حديثة جداً رغم أننا كنا البارحة ننام في خيمة أو بيت طين!) ويتلمس الرطيان نبض الشارع فيقول: (كل صباح يقدم لنا على الفطور.. خبز لبناني، أو تميس أفغاني، أو صامون فرنسي، وعدد ما تشاء من المعجنات والأرغفة.. ولكن تأكد أنه لن يقدم لك خبز سعودي!) وفي نفس الاتجاه يعلّق ثامر الميمان على جدوى (مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة) وفعاليته فيما يتعلق بالحفاظ على الهوية السعودية فيقول: (الأجيال في عزوف عن مشاهدة ومتابعة صانع الحذاء أو سعف النخيل لأنها لا تجد لأقدامها موقعاً في الحياة، تارة بلا مقاعد جامعية وتارة بلا وظائف، فما الذي يعنيهم في هذا؟ لا بأس إذا ما تحقق الاكتفاء العام من حاجات الناس والأمن الوظيفي والحوافز والتدريب وموت المحسوبية، أما إذا كانت رسالة تقول لهم: هكذا كنا، فستكون إجاباتهم: وماذا يعني هذا؟! نريد السقف والخبز والقلم والدواء ومصدر الرزق الشريف.. ماذا يعني أن نقرأ ما مضى ونحن عاجزون عن إثبات الذات؟) - ويؤكد الميمان أنه مع احترام الموروث والعادات والتقاليد وبقاء التواصل بين الأجيال بشرط أن تتوفر كل المتطلبات وأن يصبح الناس جزءًا من سلسلة تاريخ مواقعهم، ويضيف: (أرجوك فسر لي كيف نصدر كل البتروكيماويات ونستوردها من جديد والقصة لا تعدو أن تكون تعليماً وتقنية وتدريباً واستيعاباً لنصبح نحن المصنعين والمصدرين.. بلا شك هناك خلط في الرؤى وغياب للحقائق). العمالة الوافدة هم الآباء والأجداد! ومع ذلك فالسؤال الصعب هو لماذا لم تفرض المتغيرات العصرية وعوامل التطور الفكري والاقتصادي طبيعتها على هذه العقلية باتجاه توسيع حضور اليد العاملة التي كانت موجودة في السابق حتى وإن كان وجودها هذا على استحياء؟ هنا اختلفت الآراء وإن كانت تركزت أغلبها في الأثر السلبي لسنوات (الطفرة) التي نقلت المجتمع بسرعة ورمت به في أحضان (الثقافة الاستهلاكية) محدثة (فجوة) حضارية ومسببة خللاً في مدى (طبيعية) تطور المجتمع واتساق هذا التطور عبر الأجيال والسنوات بكل ما حملته من ظواهر كالوفرة المادية والوظائف المريحة والعمالة الوافدة أيضاً. وهنا يؤكد الدكتور محمد القنيبط أن غياب ثقافة المهنة هو مبرر أو ذريعة مختلقة واصفاً إياه بأنه: (قميص عثمان الذي زج به البعض لتفسير إخفاق عملية السعودة وواقع الحال يؤكد أن الأمر برمته يتعلق بقوى العرض والطلب والندرة والحاجة)، ويشرح القنيبط وجهة نظره بأن عمل الآباء والأجداد في المهن كان بسبب الحاجة ولتوفير القوت اليومي وأنه مع قدوم النفط وتوفر الوظائف الجيدة ذات الدخل المعقول جعل الأبناء الذين تعودوا على هذه الحياة يترددون في قبول أي وظيفة بالإضافة إلى عدم التزامهم عندما يكون العائد المادي من هذه الوظائف محدوداً. ويركز القنيبط على تشكيل العمالة الوافدة للنسبة العظمى في سوق العمل، خاصة كونهم أتوا من دول يقل متوسط دخل الفرد فيها عن نظيره السعودي بمرات عديدة ويضيف: (هؤلاء الوافدون هم آباؤنا وأجدادنا الذين كان لا يوجد من ينافسهم في هذه السوق أيام ما قبل النفط) ولهذه الأسباب فالقنيبط يعتبر أننا نظلم الشباب عندما نتهمهم بالافتقار لثقافة المهنة وأنهم أقل من الآباء والأجداد فيما يتعلق بالصبر والجلد والتحمل، مؤكداً أن من سبقوهم كانوا سيعانون نفس الأمراض لوجود نفس الأسباب. الطفرة.. وغياب التخطيط السليم! وكما أشار القنيبط إلى الأثر السلبي لسنوات (الطفرة) وما نتج عنها من توجه إلى ثقافة الاعتماد على العمالة الوافدة، فإن الدكتور عبدالواحد الحميد في نفس السياق يؤكد أن زمن الطفرة المالية كان بمثابة تحول جذري لا مثيل له، مشيراً إلى توفر الوظيفة الحكومية: (استوعبت الوظيفة الحكومية على نحو متزايد أعداداً كبيرة من المواطنين الذين كانوا يتكسبون سابقاً من أعمال أخرى بما في ذلك الأعمال الحرفية إلى أن تشبعت هذه الأجهزة من الموظفين.. ومع الطفرة بدأ استقدام العمالة الوافدة التي اقتحمت مجالات العمل الحرفي الذي لم يكن يشكل إغراءً للمواطن الذي اكتشف مصادر جديدة للدخل). ويوضح الحميد أن المشكلة ليست في التغير بحد ذاته بل في كيفيته حيث يقول: (إن تغير الأنماط الإنتاجية والاستهلاكية أمر طبيعي فالتغير هو سنة الحياة لكن ما حصل لدينا هو أن هذا التغير حدث بشكل سريع ومن ثم فإن الأعمال الحرفية لم تتطور لدينا بشكل طبيعي متدرج بحيث تكون هناك استمرارية بين الأجيال المتعاقبة من الحرفيين الذين ينعون تقاليد حرفية محلية تتراكم بمرور الزمن). ويوافقه في نفس الاتجاه ثامر الميمان الذي يلقي باللوم على التخطيط في حدوث مشاكل اجتماعية كثيرة وليس غياب ثقافة المهمة فقط، فيقول: (في تقديري أن خطط التنمية الخمسية المتتالية قدمت معلومات وأرقاماً خاطئة كان نتاجها هذا الكم المتراكم من البطالة والجريمة أيضاً، فلا نحن في مضمار الدول المنتجة وإن كان هذا فالعمالة من خارج حدود الوطن، ولا نحن بالدول المستهلكة الواعية فالأسواق تعج بالبضائع المقلدة والتالفة والرديئة، وغابت ثقافة المهنة بغياب التدرج المنطقي لفهم حاجة الناس والوقت). الآلة تحطم الأيدي ويشير القنيبط إلى جانب آخر وهو تحول الإنتاج من الفرد إلى المصنع وبالتالي تحول المهنة إلى وظيفة في هذا المصنع ويضيف: (وزاد الطين بلّة انفتاح الأسواق السعودية على العالم الخارجي ودخول السلع المستوردة التي لا يمكن للإنتاج المحلي منافستها سعرياً مما عجّل في القضاء على غالبية المهن الفردية التي كانت حكراً على المواطن في عصر ما قبل النفط). وفي نفس السياق يؤكد الشاعر والكاتب محمد الرطيان أن المشكلة عاملية وليست محلية فقط، مشيراً إلى أن كل مهنة وحرفة يدوية هي في الطريق إلى الزوال لأن الآلة والمصنع الأوتوماتيكي قد قضيا على ما تنتجه الأيدي. كما يشير الدكتور الحميد إلى أهمية الجدوى الاقتصادية ومقاييس الربح والخسارة فيقول: عندما حدث الانفتاح على الخارج تعرف المجتمع على منتجات وأدوات إنتاجية جديدة ووجد أن من الأيسر له استيرادها من الخارج بالمقارنة مع إنتاجها محلياً كما أن بعضها كان من الناحية العملية أكثر كفاءة وأقل تكلفة من المنتجات المحلية. ولا ينسى الحميد أن يشير إلى تغير الثقافة والذائقة الاستهلاكية، الأمر الذي انعكس على الصناعات المحلية التقليدية: (لذلك وجد بعض الحرفيين المحليين أن منتجاتهم لم تعد مطلوبة وأن الطلب عليها قد انخفض بشكل كبير مما جعلهم يهجرونها إلى أعمال أخرى تدر عليهم دخلاً أفضل). العلاج... مسؤولية من؟ إذن هناك مشكلة اجتماعية - ثقافية مركبة كما أشار المتحدثون، خصوصاً الدكتور الحبيب الذي أكد أن العقل الرعوي العشائري الذي يسود المنطقة له دور كبير في نشر ثقافة الاستهلاك والإنفاق على حساب ثقافة المهنة والإنتاج، ويوضح الحبيب أن: (الفشل في الانتقال من طبيعة المجتمع التقليدي ذي البعد العشائري إلى المجتمع المدني إحدى معضلات التنمية والإنتاج التي تواجه مجتمعاتنا).. وإن كان الحال كذلك فكيف ومن أين نبدأ بالعلاج؟.. وهنا يجبب الدكتور الحبيب ليؤكد أنه (بدون فهم طبيعة المجتمع وبنيته السابقة وأساسه التاريخي يصعب وضع برامج تنموية وخطط تطويرية وبناء مؤسسات المجتمع المدني، هناك العديد من القيم التي ورثناها يحتاج كثير منها للنقد والتحليل.. ومطلوب جهد كبير على المستوى التربوي والإعلامي والثقافي لتصحيح مفاهيم العمل وثقافة المهنة السابقة وتطوير مفاهيم جديدة تتوافق مع متطلبات المجتمع الحديث). أما ناهد باشطح فتؤكد على أهمية تحسين الصورة الذهنية التي أشارت إليها وأن هذه مهمة الجميع وتوضح (الصورة الذهنية على أنه شخص فقير شكلت عائقاً في احترام المهنة ولا يمكن أن تكون المبادرة من أعلى الهرم ولا من الحرفي نفسه إنما منا كأفراد بمعنى أن نزرع قيمة العمل لدى أطفالنا ونوضح لهم أن القيمة هي في إنتاج العمل وليس في شكل العمل فقد نتج عن قلة وجود طبقة العمال عدم احترام للعمل كمفردة واتضح أثر ذلك في أن هذه الطبقة لا تمتلك وضعاً في المجتمع وبالتالي تفتقد إلى حقوقها مما ينفر الراغبين في الحرفة اليدوية). وتشير باشطح إلى أن الحاجة المادية قد أثرت مؤخراً بشكل إيجابي حيث أصبح هناك توجه من بعض الشباب إلى الحرفة اليدوية، وتؤكد أنه (هنا يأتي دور أعلى الهرم في وضع حوافز للشباب وتكثيف الرسائل الإعلامية لاحترام الحرف بدلاً من التعاطف معها). ويوافقها في نفس الاتجاه الدكتور الحميد مطالباً بتسريع عملية التغيير الإيجابي فيقول: (في الوقت الحاضر لا بد من إيجاد بيئة مشجعة للأعمال الحرفية والمقصود تسريع عملية التغيير الإيجابي لكي يصل المواطن إلى قناعة بأن الأعمال الحرفية جديرة بأن تمارس كمهنة يكسب منها لقمة عيشه وأتمنى أن نتمكن - كمجتمع - من إنجاز هذا التحول بسرعة فالملاحظ أن هناك أعمالاً حرفية كثيرة تتناسب مع العصر لكن بعض المواطنين يفضل البطالة على احتراف تلك الأعمال ومن غير الطبيعي أن يستمر هذا الوضع) وحول كيفية هذا التسريع يؤكد الحميد أيضاً على أهمية المشاركة الاجتماعية على جميع المستويات واضعاً كرة البداية في ملعب الأجهزة الحكومية: (وفي المقدمة الأجهزة الحكومية التخطيطية سواء الاقتصادية أو التعليمية أو غيرها فالتنمية هي جهد مخطط وليس عملية عشوائية ويجب على الأجهزة الحكومية أن تقود المجتمع إلى التغيير الإيجابي، كما أن دور القطاع الخاص مهم وكبير.. لا يمكن أن يكون محايداً، وهو يرى العمالة الوافدة تحتل الأعمال الحرفية لأن هذه العمالة لن تدوم وسوف تغادر وما لم يبادر القطاع الخاص إلى تدريب المواطن على الأعمال الحرفية سوف يجد نفسه قريباً في أزمة لأن الحكومة تأخذ موضوع السعودة بمنتهى الجدية).
|