Saturday 28th May,200511930العددالسبت 20 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

يارايارا
قيادة المرأة للسيارة
عبدالله بن بخيت

من حسن حظي أن وقع رقم جوالي في قائمة التوزيع عند هؤلاء الذين تخصصوا في ملاحقة المرأة وتنغيص حياتها وتأصيل كراهتها واحتقارها. كما أن أحد الأصدقاء يبعث لي يومياً برسائل أخرى أعتقد أنها لمجموعة أخرى لا تختلف عن هذه في توجهاتها، لعل هناك تنسيقاً بين المجموعتين. لا يمر يوم تقريباً دون أن تصلني رسالة جديدة. أتاحت لي هذه الرسائل فرصة للتأمل في المواضيع التي تهمهم. تأكد لي ما كنتُ أفكر به وهو أن المرأة تشكل بالنسبة لهؤلاء عذاباً لا يمكن البراء منه مهما تنازلت، ومهما انصاعت لتوجيهاتهم سيلاحقونها ويفرضون عليها مزيداً من القيود. لا أعرف كيف تتشكل الكراهية والاحتقار للمرأة ولكن الذي يريد أن يعرف كيف تعبر هذه الكراهية عن نفسها عليه أن يتابع تصرفات هؤلاء ويقرأ أدبياتهم من رسائل وخُطب وكاسيتات متذرعة بذرائع دينية.
أعتقد أن هؤلاء غير قادرين على رؤية جوهر الإسلام القائم على نشر الفضيلة، والحب، والتسامح، والتقدم للرجل والمرأة على حد سواء. لم أتسلمُ رسالة تبشر بخير، أو تقود إلى إصلاح اجتماعي، أو تتعلق بحقوق الأطفال، أو بالصحة العامة، أو بترشيد المياه، أو بالصناعة. لا شغل لهم إلا المرأة. المشكلة أنك لا تعرف ماذا يريدون أن تكون عليه المرأة، ليس لديهم أي تصور للمرأة المثالية التي يريدونها أو النمط الحياتي الذي يجب أن تلتزم به. يتربصون بأي إنسان يريد أن يمد يد العون لها. يتصرفون على أساس أن المرأة جزء من صلاحياتهم كأنها مؤسسة أو شركة تخصهم. أي اقتراح رسمي أو شخصي لتحسين وضع المرأة يفترض أن يأخذ تصريحاً منهم. غاب عن ذهنهم أن المرأة إنسان. وكل امرأة تختلف عن الأخرى. إذا كانت المرأة تشبه المرأة في بعض أعضاء الجسد، فهذا لا يعني أن النساء متطابقات المحتوى. فما تحبه هذه المرأة ربما تكرهه الأخرى، وما يسر هذه قد لا يسر الأخرى، فمحتواها العقلي والعاطفي لا يختلف عن محتوى الرجل. هي ليست سيارة، أو مؤسسة، أو طريق. هي إنسان، تحب، وتكره، وتجوع، وتأكل، وتشيخ، وتموت، وتنطوي على فروق فردية بعدد النساء في الأرض. وعلاقتها الجنسية بالرجل ليست سوى واحدة من آلاف العلاقات التي تربطها بهذا العالم الذي تعيش فيه. هذه العلاقة ليست هي محور وجودها كما يفهم هؤلاء أو يريدون أن يفرضوه على المجتمع. لم يخلق الله المرأة للرجل{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (56) سورة الذاريات، والمرأة هي من الإنس خلقها ربها لتعبده لا ليتسيدها الرجل. هي إنسان مكلف بالعبادة وإعمار الأرض. لها ما للرجل وعليها ما على الرجل. لم يعفها من الطواف في بيته العتيق حتى لا تختلط بالرجل، ولم يعفها من الصلاة في المسجد حتى لا تخرج من المنزل، ولم يعفها من العمل حتى لا تستقل اقتصادياً. أوجب عليها كل ما أوجبه على الرجل. وهذا يعني ببساطة أن الله تعالى لم يحجب عنها الامتيازات التي يتمتع بها الرجل.
منذ سنوات ونحن نلوك موضوع سياقة المرأة للسيارة. تضخم هذا الموضوع حتى أصبح قضية موت وحياة عند بعض الناس. عندما يريد الإنسان أن يتحدث فيه أو يطرحه يأخذ جانب الحذر والحيطة، يتسلح بأكبر كمية من الآيات، والأحاديث، والحكم، والشواهد، والأدلة العقلية والنقلية، والأمثلة، كأنه يريد أن يغير في جوهر الدين والعياذ بالله، أو كأنه يريد أن يحطم أسس المجتمع.
ولا نتبين سذاجة هذا الموقف إلا عندما نعلم أن المجتمع يسمح للمرأة أن تكتب، وتؤلف الكتب، وتوجه الناس دينياً وفكرياً وثقافياً، وتجري لهم عملية في القلب، في الوقت نفسه لا يسمح لهذه الكاتبة أو هذه الطبيبة أن تقود سيارتها من بيتها إلى مكتبها. ملزمة برجل يأتي من أدغال الهند، أو من جزيرة في الفلبين، أو من أي مكان من هذا العالم ليساعدها على التنقل. تُرى ما الذي سوف نراه لو نزعنا كل هذه التهاويل المصاحبة لهذه القضية؟. قيادة المرأة ليست سوى عملية تنقل من مكان لآخر أسرع من التنقل على الأقدام وأريح. لا تزيد عن هذه إلا إذا أخذنا قوانين وشروط السياقة في الاعتبار. الذي يُمنعُ من قيادة السيارة هو الإنسان المعاق الذي لا يستطيع أن يتحكم في مقود السيارة، أو لا يستوعب قوانين السير إلخ. لا علاقة بين قيادة السيارة وكينونة الإنسان كإنسان. قيادة السيارة مسألة لا صلة لها بالثقافة، أو بالفكر، أو بالدين. الرجل الوحيد المخول بالفتوى فيها هو رجل المرور. وقوانين قيادة السيارة قوانين عالمية وواضحة لا تتطلب تطبيقاتها مشاريع ودراسات وأدلة من التاريخ أو من الجغرافيا. فالذين يقاتلون من أجل منع المرأة من قيادة السيارة يعرفون أكثر من غيرهم أن الدين لا يصادر حق المرأة في التنقل السريع ويعرفون أكثر أن وجود المرأة مع السائق في السيارة هو الوضع الأكثر مدعاة للدراسة والتأمل من وجهة النظر الدينية. لا يمكن قراءة هذه المفاكسات، ورسائل الجوال والاحتجاجات التي وجهت لعضو مجلس الشورى الدكتور محمد بن زلفة عندما تقدم بمشروع سياقة المرأة للسيارة في مجلس الشورى إلا إذا قرأنا موقف هؤلاء من المرأة ككل. لم نسمع مثلاً أنهم فاكسوا وناصحوا مدير البنك العقاري لإعطاء الأرامل والمطلقات قروضاً خاصة لبناء مساكن تأويهن، لم نسمع أنهم فاكسوا مدير الضمان الاجتماعي أن يزيد مخصص المرأة لأنها أحوج إلى المال لصيانة كرامتها، لم نسمع أن هؤلاء فاكسوا أو ناصحوا وزير الصحة لفرض تسعيرة خاصة بالمرأة، لم نسمع أنهم فاكسوا وناصحوا أي مسؤول في التأمينات الاجتماعية لوضع برامج خاصة لربات البيوت. يجب أن ننظر إلى موقفهم من سياقة المرأة للسيارة في هذا الإطار إذا أردنا أن نعرف الحقيقة التي تقف وراء هذا الموقف.

فاكس 4702164

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved