أنعمتْ عليَّ الأخت الفاضلة الأستاذة حنان بنت عبدالعزيز آل سيف حفظها الله بالثناء العاطر والإطراء الحسن مما يفوق حجمي، وذلك في قراءتها وعرضها لتحقيقي كتاب صلاح الدين الصفدي (كشف الحال في وصف الخال) الذي صدر هذا العام 1426هـ - 2005م في بيروت عن الدار العربية للموسوعات، ونُشِرَ ذلك العرض في هذه الصفحة (ورّاق الجزيرة) في عدد الجزيرة رقم (11910) الصادر يوم الأحد 29 من ربيع الأول سنة 1426هـ الموافق للثامن من مايو 2005م. وتوقفت الأخت حنان من كلمة (الببليومانيا) الواردة في إهداء الكتاب، وهي (امرأة ببليومانية) ببليومانية محمودة مما سمعتُ، فقالت: ولفظة (الببليومانيا) الواردة في الإهداء لها حلاوة وطلاوة ورونق وبهاء، ومعناها: الولع الشديد بالكتب، ومن العلماء - ولا أدري حقيقة إن كانوا علماء نفس أو علماء بحث وتنقيب في بطون الكتب (1) - مَن يعدون هذه الظاهرة مرضاً. (تقول حنان): ولعمري، إن هذه الظاهرة نعمة وفضل، ولا يشعر بقيمتها مَن فقدها وحُرمها ومًنع بركتها). وأشير إلى قلة ما كُتب حديثاً بالعربية - أو قلة ما طالعتُ - عن (الببليومانيا) المصطلح، أو ما معناه (حبّ الكتب والولع بها) فهناك كتابات كثيرة جداً.. والحقيقة أن هناك (ببليومانيا) سلبية مذمومة وأخرى إيجابية محمودة، وهو ما سآتي على ذكره في هذا المقال. بحث نفيس
وقد أفرد الدكتور محمد أمين البنهاوي الموضوع بمبحث نفيس في كتابه المتميّز (عالم الكتب والقراءة والمكتبات) (ص 41-46).. يقول البنهاوي: (الجنون بحب الكتب - أو (الببليومانيا) كما يحرص المتخصصون على تسميته - مرض، وليس بالتأكيد وباء.. والغريب أنه مرض يبتهج له المصابون، ولكن ما من شك في أنه عيب وانحراف، وهو يصيب المثقفين وحدهم (2)، بدءاً من الشاعر اليوناني القديم (يوريبيديز) من القرن الخامس قبل الميلاد، وانتهاء بالأديب العالمي الروسي الأصل (باسترناك) في العصر الحديث.. وغالباً ما تمضي أعراض هذا المرض دون ملاحظة، وأكثر الأعراض انتشاراً بين المصابين هو الترحيب الجمّ بالكتاب لا لشيء سوى أنه كتاب، ويظهر ذلك في المرحلة الأولى من المرض.. أما المرحلة الثانية فتتميّز برغبة المصاب في تجميع أعداد هائلة من الكتب، وأكثرها قليل الاستخدام، مفترِضاً أنه قد يحتاج إليها يوماً ما.. ويتبع ذلك حب وإعجاب وولع شديد بكل ما هو مطبوع.. وينتهي الأمر عادة بميل المصاب إلى الإبقاء على الكتب (التافهة) أو ذات القيمة الضعيفة. وقد ذكر البنهاوي بعض النماذج على (الببليومانيا) السلبية، فمن أبشع تلك النماذج ما يتعلّق بتجليد الكتب بالجلود الآدمية!! وهو مما يأنفه ذوو الفِطَر السليمة والعقول السويّة.. يقول البنهاوي: (ويحرص الببليومانيون فيما يحرصون على التجليدات الفاخرة أو الفنية أو التاريخية، وقد يستخدمون في تجليد الكتب جلوداً غير مألوفة لهذا الفن، مثل: جلد الفيل، أو الحوت، أو الثعبان.. وبلغ الهوس ببعضهم حداً كريهاً بشعاً عندما فكروا في استخدام جلود الموتى من الآدميين كأغلفة للكتب!! (...) وقد وُجِدتْ بإحدى المكتبات في مدينة (فيلادلفيا) أربعة كتب في الطب كانت في الأصل مملوكة لأحد الجراحين العسكريين القدامى، وقد جُلِّدَتْ بجلود الجنود الذين وقعوا في إحدى المعارك، وقد تمكن الفحص الميكروسكوبي من العثور على بقايا شَعر آدمي في التجليدات الأربع.. والأمثلة على استخدام الجلود الآدمية بعد معالجتها كيميائياً كثيرة، وأغلبها مأخوذ من مجرمين نُفِّذ فيهم حكم الإعدام. نماذج سلبية
وفي تراثنا العربي نماذج كثيرة من (الببليومانيا) محمودة ومذمومة، فمن تلك النماذج التي أراها سلبية مذمومة، إذ أقدم أصحابها على بيع البيوت لشراء الكتب! ولم يكلّفنا الله بهذا.. فقد جاء في (ذيل طبقات الحنابلة) لابن رجب نقلاً عن ابن النَّجَّار في ترجمة العلامة النحوي عبدالله بن أحمد، المعروف بابن الخَشَّاب (ت 567هـ): (إنه لم يَمُتْ أحدٌ من أهل العلم وأصحاب الحديث، إلا وكان يشتري كتبه كلَّها، فحصلتْ أُصول المشايخ عنده؟ وذََكرَ عنه: أنه اشترى يوماً كتباً بخمس مئة دينارٍ، ولم يكن عنده شيءٌ، فاستمهلهم ثلاثة أيامٍ، ثم مضى ونادى على داره، فبلغتْ خمس مئة دينار، (فَقَصَدَ) صاحبَها - أي: صاحبَ الكتب -، وباعه بخمس مئة دينار، ووفّى ثمنَ الكتب).. إلخ (3). وذكر ابن رجب أيضاً في ترجمة أبي العلاء الهَمَداني (ت 569هـ) نقلاً عن الإمام طلحة بن مظفَّر العَلْثي: (بِيعَتْ كتبُ ابنِ الجواليقي في بغداد، فحضرها الحافظُ أبو العلاء الهَمَداني، فنادوا على قطعةٍ منها بستين ديناراً، فاشتراها الحافظ أبو العلاء بستين ديناراً، والإنظارُ من يوم الخميس إلى يوم الخميس. فخرج الحافظ، واستقبلَ طريق هَمَدان، فوصل، فنادى على دارٍ له، فبلغت ستين ديناراً. فقال: بيعوا. قالوا: تبلُغُ أكثرَ من ذلك. قال: بيعوا. فباعوا الدار بستين ديناراً فَقَبَضَها، ثم رجع إلى بغداد. فدخلها يوم الخميس، فوفّى الثمن، ولم يشعُر أحدٌ بحالهِ إلا بعد مُدَّة)(4). وأعجب من هذا - كائناً من كان صاحب الحادثة علماً وجلالة قَدْر - مَن باع سراويله لشراء ورق!! (5)، ومنهم من باع أثاث بيته لشراء كتاب (6)!!. نماذج معاصرة
وأذكر من نماذج الببليومانيا المعاصرة - مشاهدة - قبل سنوات ضيفاً دائماً على إحدى كُبريات المكتبات التجارية في مدينة الرياض، يزور تلك المكتبة كل يوم (من بُعيْد العصر إلى آخر الليل)، وعرفتُ من العاملين في المكتبة أنه يداوم على هذه الزيارة منذ سنوات، وأنه يشتري منهم (بالهَبَل) كما قالوا.. ولم ينقطع عجبي من (دودة الكتب) هذا الذي يطالع كل ما يَجدّ في المكتبة من كتب (من شروح المعلقات إلى كتب التشريح والبيطرة).. وفي غمرة انبهاري بهذه الشخصية الرائعة حاولتُ التعرّف إليه، بعد أن تنازعنا على شراء نسخة من كتاب (خريدة القصر وجريدة العصر) مجلدة تجليداً فاخراً في (17) مجلداً بلغت قيمتها (1200) ريال، وقد انتظرتُ بعد ذلك لأكثر من شهر للحصول على نسختي.. فتلاحقتْ صدماتي ب(دودة الكتب)، إذ كشف النقاش عن جهل كبير وضحالة مخجلة وتخليط في أسماء العلماء وكتبهم. هذه ببليومانيا (حموريّة) تتمثل فيمن يتعلقون بالكتب مادياً ويجمعونها لأجل الجمع، والنماذج المعاصرة كثيرة كثرة طاغية، وفي تراثنا ما نقله المَقَّريّ في الحديث عن قُرطُبة والعناية بالكتب فيها: (قال الحضرمي: أقمتُ مرّة بقُرطُبة، ولازمتُ سوق كتبها مدّة أترقّب فيها وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط جيد وتسفير مليح، ففرحتُ به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع إليّ المنادي بالزيادة عليّ، إلى أن بلغ فوق حدّه، فقلت له: يا هذا، أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلّغه إلى ما لا يساوي، قال: فأراني شخصاً عليه لباس رياسة، فدنوتُ منه، وقلت له: أعزّ الله سيّدنا الفقيه، إنْ كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغتْ به الزيادة بيننا فوق حدّه.. قال: فقال لي: لستُ بفقيه، ولا أدري ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب، واحتفلتُ فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يَسَع هذا الكتاب، فلما رأيته حَسَنَ الخط جيد التجليد استحسنته، ولم أُبالِ ما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير.. قال الحضرمي: فأحرجني، وحملني على أن قلت له: نعم لا يكون الرزق كثيراً إلا عند مثلك، يعطي الجوز من لا عنده أسنان! وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب، وأطلب الانتفاع به، يكون الرزق عندي قليلاً، وتحُول قلّة ما بيدي بيني وبينه)(7). وبصرف النظر عن صحة الخبر من عدمها، فقد وَصَفَ المَقَّري قُرطُبة وأهلها بالقول: إنها أكثر بلاد الأندلس كتباً، وأشدّ الناس اعتناء بخزائن الكتب، صار ذلك عندهم من آلات التعيّن والرياسة، حتى إن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وينتخب فيها ليس إلا لأن يقال: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس هو عند أحد غيره، والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصله وظفر به.. وقيل: إذا مات عالم بإشبيلية فأُريد بيع كتبه حُملت إلى قُرطُبة حتى تُباع فيها، وإذا مات مُطْرب بُقُرطُبة فأُريد بيع تركته حُملت إلى إشبليلية. تعطير الكتاب !
ويذكر كاتب هذا المقال عن نفسه ببليومانيا غبية في التعامل مع الكتب، فقد انتهيت إلى مرحلة عالية من الجنون في تعطير صفحات بعض الكتب القديمة بالكلونيا بعد نفض الغبار عنها، مثل سلسلة كتاب (اقرأ) التي تجاوزتْ (500) كتاب من الحجم الصغير، وقد أعطّر الكتاب من داخله بعطر يفوق الكتاب في القيمة المادية!! وجاوزتُ ذلك إلى صرف الحنان على الآدميين إلى كتبي، فقد رفعتُ أحد المجلدات متأثراً بعد سقوطه من يدي فتأثر تجليده ولم يتمزّق، وفَرَطَتْ مني (بسم الله عليك) بعفوية، وأفقتُ على ضحكي سخرية من نفسي!! ولصاحبي أبي عبدالرحمن ببليومانيا قديمة أوقعته في ديون طائلة، فقد كان يجلّد كل ما يدخل مكتبته من كتب غير مجلّدة، ويجلّد بعض الرسائل الصغيرة ذات الموضوع الواحد (أو الموضوعات المتقاربة) في مجلد واحد يفوقها جميعاً في القيمة، وقد تكون قيمة الكتاب عشرة ريالات ويُجلّد بأربعين ريالاً!!.. وهكذا.. وفوق هذا حوّل دارتيه إلى مكتبتين عامرتين، فتجد دواليب الكتب في الصالات والممرات وغرف النوم والمجالس!! واعتماده على الذاكرة في إخراج الكتب من أماكنها، لا بتصنيف ديوي ولا غيره، فيطلب الكتاب أحياناً بواسطة الهاتف: (أخرجوا الكتاب الفلاني، وهو في تلك الغرفة، في ذاك الدولاب، وذاك الدرج). ويدخل في دائرة الببليومانيين من المعاصرين الشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن الطاسان، وأتصوّر أن مكتبته لا تقل عن ثلاثين ألف عنوان، والدكتور عمر بن غرامة العمري، وفي ظني أن مكتبته لا تقل عن عشرين ألف مجلد، والأستاذ محمد الحمدان (صاحب مكتبة قيس). إلى قرَّاء الورَّاق
ولعل من المناسب أن أتوجّه بالسؤال إلى عدد من المكتبيين والببليومانيين، ومنهم: عميد المكتبيين السعوديين الأستاذ الدكتور عباس صالح طاشكندي، والأستاذ الدكتور يحيى محمود بن جنيد، وأبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري، والشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن الطاسان، والدكتور عمر بن غرامة العمري، والأستاذ محمد الحمدان، وقراء (ورّاق الجزيرة). * ما الأفضل.. أن تكون مكتبة طالب العلم ضخمة متسعة تضم كل ما هبّ ودبّ، أم الاكتفاء بجانب التخصص، وزيارة مراكز البحث العلمي عند الحاجة؟ وهو سؤال أراه يستحق الإجابة، لمعرفة أثر (الببليومانيا) على التكوين الثقافي للفرد، وأثرها على ثقافة الحياة.. ولقد كان أبو محمد ابن حزم الظاهري يقول بقاعدة (لن يخلو كتاب من فائدة)، ونقلها عنه ابن الجوزي وغيره، وقَبْل ابن حزم قال الإمام أحمد - رحمه الله -: (سمعتُ أن قلّ رجلٌ يأخذُ كتاباً يَنْظُرُ فيه إلا استفاد منه شيئاً).. ويشبه كلام أحمد وابن حزم مقولة بلينيوس (ت 113م): (ليس هناك كتاب رديء إلى الحدّ الذي يتعذّر علينا أن نستخلص منه شيئاً ذا قيمة).. قال ابن حزم - رحمه الله - في رسالة (مراتب العلوم): (ودعائم العلم مشهورة مستحكمة يؤثر بها العلم على سائر أعراض الدنيا من اللذات
والمال والصوت (الصيت)، ثم قَصْدٌ إلى عين العلم؛ ليخرج به عن جملة أشباه البهائم فقط، لا ليجعله مكتسبة ولا ليمدح به، وذكاء وفهم وبحث وذكر وصبر على كل ذلك، والتعب فيه وإنفاق المال عليه والاستكثار من الكتب، فلن يخلو كتاب من فائدة وزيادة علم يجدها فيه إذا احتاج إليها، ولا سبيل إلى حفظ المرء لجميع علمه الذي يختص به.. فإذ لا سبيل إلى ذلك، فالكتب نعم الخازنة له إذا طلب، ولولا الكتب لضاعت العلوم ولم توجد.. وهذا خطأ ممن ذم الإكثار منها، ولو أُخذ برأيه لتلِفَت العلوم ولجاذبهم الجهال فيها وادّعوا ما شاؤوا، فلولا شهادة الكتب لاستوت دعوى العالم والجاهل).. إلخ (8). وخالف أبوعبدالرحمن ابن عقيل الظاهري أستاذه ابن حزم في حوار أجرته معه إحدى المجلات قريباً بقوله: (ولست أجد الحرص على الكتب كما كنت في السابق، إلا أن يحوجني البحث إلى مصدر غائب، وإن قدرت على مراجعة كل ما عندي مما يتعلق به بحث معين فهو كاف في الخروج برؤية علمية وفكرية، فالفرد أعجز من أن يستوعب كل شيء، على أنني أجد في المراكز العلمية خدمة كافية في تصوير القدر الذي أحتاجه). وقد غاب عن الأستاذة حنان في قولها: (إن هذه الظاهرة نعمة وفضل) آثارها السلبية في حياة الببليوماني، فإن هناك نقمة على مسيرة القارئ الببليوماني إذا ما استسلم لببليومانيته، وذلك بتشتيته ثقافياً وتمزّقه بين الكتب بمختلف فنونها.. إضافة إلى العناء الذي يتحمله صاحبها في تنظيفها وترتيبها والحفاظ عليها، وأثقل ما على النفس الانتقال بها من بيت إلى آخر. ومن أعظم مضار هذه الببليومانيا جهل صاحبها بالشؤون الحياتية، وانحساره في مكتبته وعالمها.. وقد يصبح الشريطي والحَمّار أكثر ذكاء من طالب العلم في أمور الحياة المادية وتدبير شؤونها!. ولعل العقاد - رحمه الله - من أفضل مَنْ وقف وقفة معتدلة في موضوع أهمية تجارب الحياة، حيث قال: (ومن جهة أخرى، فإن الكتب طعام الفكر، وتوجد أطعمة لكل فكر، كما توجد أطعمة لكل بنية، ومن مزايا البنية القوية أنها تستخرج الغذاء لنفسها من كل طعام، وكذلك الإدراك القوي يستطيع أن يجد غذاء فكرياً في كل موضوع.. وعندي أن التحديد في اختيار الكتب إنما هو كالتحديد في اختيار الطعام، وكلاهما لا يكون إلا لطفل في هذا الباب أو مريض.. فاقرأ ما شئت تستفد إذا كان لك فكر قادر أو معدة عقلية تستطيع أن تهضم ما يلقى فيها من الموضوعات، وإلا فاجعل القابلية حكماً لك فيما تختار؛ لأن الجسم في الغالب يغذيه ما نشتهيه. ولا تُغني الكتب عن تجارب الحياة، ولا تُغني التجارب عن الكتب؛ لأننا نحتاج إلى قسط من التجربة لكي نفهم حق الفهم، أما أن التجارب لا تُغني عن الكتب؛ فذلك لأن الكتب هي تجارب آلاف من السنين في مختلف الأمم والعصور، ولا يمكن أن تبلغ تجربة الفرد الواحد أكثر من عشرات السنين)(9). وأظن أن الطبيعة غير الحميدة في مكتبتنا العربية هي التي أسهمت في ببليومانيتنا، فنجد الكتاب العربي وعشرات من الشروح له والتقارير عليه ومختصرات لكل ذلك، ثم الكتب التي يعاد ترتيبها وجمع نصوص منها.. إلخ. ويصطدم مع فكرنا العربي مقولات غربية أراها تستحق التوقف عندها طويلاً: (الكتب كالأصدقاء؛ ينبغي قلّتهم وحُسن انتقائهم) تشارلز كولتون (ت1832م). (سيطر على الكتب ولا تجعلها تسيطر عليك.. اقرأ لتعيش ولا تعش لتقرأ) إدوار بولور (ت1873م). (يجب أن تختار الكتب التي تقرأها بعناية فائقة؛ لأنها كما كتب أحد ملوك مصر على مكتبه (دواء الروح).. فاحرص على الكتب حرصك على أصحابك؛ فالكتب تؤثر في عاداتك وشخصيتك تأثير الأصحاب) إدوين باكستون هود (ت 1885م). لقد دوَّنت هذه الوريقات على عجل استخرجتها من كُنّاشتي؛ لأهمية ما طرحته الأستاذة حنان.. ولو نصحتُ أي قارئ كائناً مَنْ كان لنصحته بالتقليل من الكتب والاكتفاء بالمهم من كتب تخصصه، وزيارة مراكز البحث العلمي عند الحاجة، وأنصح نفسي بذلك.. ولكن نفسي لا يمكن أن تقبل بهذا، فلو أمكنني أن تضم مكتبتي كل ما طُبع بالعربية، سواء كان المؤلف عالياً أو سافلاً، من غير عناء ولا تكلفة مادية لما تأخرت ولا فرّطت بشيء منها!! وهذه حقيقة كل الببليومانيين. هناك لذّة مزدوجة لدى الببليومانيين: لذّة علم، وهذه لا تحتاج إلى بيان، ولذّة شراء.. والويل لمن تجتمع عند اللذّتان! ونحن ندخل المكتبات بحثاً عن كتاب بعينه، ولا نجده، فلا نخرج إلا وقد اشترينا غيره! أو قد ننسى ما جئنا لأجله ونشتري غيره من الكتب قديمة وحديثة!. وقد شرّح أحمد أمين - رحمه الله - لذّة الشراء وأضاف لها لذّة الملكية حيث قال: (بالأمس ضحك مني بائع الكتب القديمة؛ إذ رآني أقلّب في الكتب، وأذهب ذات اليمين وذات الشمال، وأصعد على الكرسي وأنزل من عليه، والكتب بعضها بال عتيق قد غُلِّف بالتراب وأكلته الأرضة، وكلها وضعت حيثما اتفق، لم يُعن فيها بترتيب حسب الموضوع ولا حسب الحجم ولا حسب أي شيء، ولم يُبذل أي جهد في تنظيفها وعرضها، فكتب في الأرض، وكتب في السماء، وكتب في الرف، وكتب على المقاعد، وكتب في الممشى.. والبائع رجل تقدمت به السن، زهد البيع وزهد الشراء، وإنما يبيع ويشتري لأنه اعتاد أن يبيع ويشتري، كل ما في أمره أنه فضَّل أن يجلس في الدكان على أن يجلس في البيت، إذ يرى الرائحين والغادين، ويستقبل الزائرين، ومن حين إلى حين يبيع كتاباً أو كتابين. وسط هذه المكتبة المغمورة بالكتب، والمغمورة بالتراب، والمغمورة بالفوضى انغمستُ ببذلتي البيضاء، القريبة العهد بالكوّاء، أبحث عن كتب نادرة أشتريها، وأتصفح كتباً أتعرّف قيمتها، فضحك إذ رأى غراماً بالكتب يشبه الجنون، ورغبة في البحث والشراء تشبه الخبل. لا تضحك - يا سيدي - فإنما هي لذّة الشراء أصيب الناس بها جميعاً، وإن اختلفوا في مقدار الإصابة، فقد تهوّر فيها قوم، واعتدل فيها آخرون، وهي ظاهرة في منتهى القوة والغرابة، تتجلّى بأجلى مظاهرها في الهواة، فهذا هاوي سجاجيد يُجنّ جنونه إذ يرى سجّادة قديمة صُنعت في أصفهان في القرن الخامس عشر أو السادس عشر، يحتقرها الرائي العادي، ولا يرضى أن يأخذها ولا بالمجان.. وكذلك الشأن في هاوي طوابع البريد، وهاوي الكتب، وكل الهواة، نمت عندهم على مرّ الزمان لذّة الشراء لما يهوون، وغذّاها كثرة الشراء وأحاديث أمثالهم الذين يحيطون بهم وإظهارهم الإعجاب الشديد بما اقتنوا. ولو أن الناس - وخاصة السيدات - اقتصروا على شراء ما هم في حاجة إليه لأغلقت دكاكين كثيرة، ولقلّ العرض وقلّ الطلب، ولكن لذّة الشراء عندهم دفعتهم أن يشتروا ما لم يحتاجوا، وأوهمتهم في كثير من الأحيان بالحاجة إلى ما ليس لهم به حاجة، وإلا فما حاجتي إلى شراء كل هذه الكتب والمكتبات العامة مفتّحة الأبواب؟ وما الحاجة إلى شراء نسختين من كتاب واحد والتعلّل في ذلك بأتفه الأسباب؟ وما الحاجة إلى ملء البيت بهذا الأثاث وأقل منه يكفي ويزيده حسناً؟ وما الحاجة إلى شراء المرأة هذه الثياب المختلفة الألوان والأنواع، وقد لا تحتاج إليها مرّة في الحياة؟ لا شيء إلا لذّة الشراء. قد كان من المعقول والطبيعي أن الناس - وهم يتلذّذون هذه اللذّة الشديدة القوية بالشراء - يتلذذون كذلك لذّة شديدة قوية بالملكية ثم يستمرون على التنعّم بها، والتمتع الدائم بملكها، ولكن جرى الأمر في هذا العالم على غير ما يتوقع، فهم راغبون أشد الرغبة في ملك الأشياء والملكية تذهب بلذتها.. إن الناس مولعون أشد الولع بالملكية حتى لو استطاعوا أن يملكوا القمر في السماء لملكوه، ولو ملكوه لحرموا جماله، وهم مولعون أن يملكوا كل شيء إلى درجة الجنون، حتى لو استطاعوا أن يسلبوا السماء زرقتها، والمزارع بهجتها، والبحار جمالها ليجعلوها في حوزتهم لفعلوا، وقد أدرك مهرة الباعة هذا الجنون في الإنسان فتفنّنوا في عرض ما يبيعون بحسن الوضع وتزويق المعروض وإيهام الترخيص، وكثرة الإعلان في شكل جذّاب. وكأن الطبيعة العادلة أرادت أن تعاقب على هذا النوع من الجنون فسلبت المالك أكثر ما يتصور من لذّة، فالشيء جميل لذيذ ممتع، فيه كل ما يتمنى المرء من سعادة ما لم يُملك؛ فإذا مُلِك لم يجد فيه المالك كل ما يتصور ويتخيل، وأصبح أقل قيمة مما أمّل، ولا تزال قيمته في نقصان حتى يصبح عادياً تافهاً كأنه والحرمان سواء... وأُجَنّ بالكتاب قبيل شرائه وعند شرائه، وأبيت ليلة وأنا أحلم به، ولا أسمح لنفسي بالنوم ليلة الشراء قبل تصفحه ومعرفة ما فيه أو على الأقل عناوينه، ثم يوضع في المكتبة ويُنسى وكأنه لم يُملَك) (10). ولا أخفي قناعتي التامة بكل ما ذكر أحمد أمين - رحمه الله -، ولكني أعود إلى التأكيد أن الببليومانيين - وأحسبني منهم - خُلِقوا ليكونوا ببليومانيين، ولا يمكن أن يتغيّروا، ولكن العيش الكريم يحتّم على الببليومانيين بعض التعقّل الببليوماني.
عبدالرحمن بن محمد العقيل
**** الهوامش
(1) بل علماء نفس. (2) ليس بالضرورة. (3) (ذيل طبقات الحنابلة) لابن رجب، 1-319 .. وانظر تصحيح ألفاظ الخبر عند العلامة عبدالفتاح أبوغُدّة - رحمه الله - في كتابيه: (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل)، ص321-322، و(العلماء العُزّاب الذين آثروا العلم على الزواج)، ص137- 138.. وانظر ممن باع مِلْكاً لشراء الكتب (ابن نَيَّال العُكْبَري) في (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) لأبي غُدَّة، ص321. (4) (ذيل طبقات الحنابلة) لابن رجب، 1-328. (5) انظر: (معجم الأدباء) لياقوت الحموي، 2-749 (ترجمة بقيّ بن مخلد).. وممن باع ثيابه لشراء كتاب أو ورق أحمد بن عبدالرحمن القصري، انظر: (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) لأبي غُدَّة، ص193-194. (6) انظر: (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) لأبي غُدَّة، ص 319-320. (7) (نفح الطيب) للمَقَّري، 1-463. (8) (رسائل ابن حزم الأندلسي)، 4- 77. (9) (أنا) للعقّاد، ص88-89. (10) (فيض الخاطر) لأحمد أمين، 1- 115-119 (وقد اقتبست منه أهم ما فيه على طوله لنفاسته).
|