أم عنيق جبل يطل على بلدة جلاجل من الجنوب الشرقي، إذا طلعت فوقه ترى جلاجل بوضوح، وإذا نزلت منه اختفت لوجود منخفض بينهما يحجب الرؤية!! أما الدغم فهي جبال سود تقع شرق الرياض إلى الشمال، وهي الآن من ضواحيه والشتاء والصيف بينهما لهما شجون، لكنها مقبولة لنا.وجلاجل من قرى سدير ولها بعد فكري واجتماعي، ويمتاز أهلها بدماثة الخلق وحسن الجوار لمن جاورهم، ولدت ونشأت بها إلى سن السادسة أو السابعة، ولا أعلم بالضبط متى ولدت، لأن تاريخ ميلاد جيلي غير محدد باليوم والشهر والسنة والذي أذكره قول أمي رحمها الله: (انك ولدت بعد موتة الشيوخ بسنة) وتقصد بالشيوخ الملك عبد العزيز رحمه الله، ومن جلاجل رحلنا.كان الشتاء هناك أخف وطأة منه اليوم، وربما لأن أجسادنا كانت خشنة وتتحمل الحر والبرد، فالأطفال كانوا لا يقيمون وزناً للحر أو البرد سيان، بل تراهم كالشياطين في عز القيلولة يلعبون في شوارع القرى، وهذا يكسبهم في تحول اللون إلى حنطي غامق، فإذا رأيت لون الوجه حنطياً، فأعرف أنه غالباً ممن عاش في قرية ولعب القيلولة في أزقتها قبل التكييف!! وتراهم في البرد يتابعون نوار العشب أينما كان، وهم لا يتدثرون بشيء سميك، ومع ذلك يعيشون حيوية ونشاطاً لا يضاهيها فرح العيد.وأكثر ما يزعج الصيف الناس القرويين إذا وافق أن كان وقت الصوم في حمّارة القيظ، عندها سيعانون من الظمأ، وكثيراً ما رأيت شفاهاً متشققة من الجفاف مع الصوم، بيد أن عزمهم يهد الجبال وصبرهم لا يتحمله أمثالهم اليوم، مع أن الأكل لا يتجاوز تمرة وماء مع الإفطار، أما عشاء رمضان فلكل في بيته ما يغنيه ولو كان كأسا من طحين يوضع على شكل أقراص صغيرة للأسرة، وللأثرياء غير ذلك، لكنه غير ذي رفاهية ورغد كاليوم.وأكثر ما يخفف عنهم برودة الجو هو إيقاد النار من حطب الطلح أو الرمث أو الأرطي أو السمر، لم نعرف ونحن أطفال كسر الفحم التي تدفئ يومها، بل عرفناها في الرياض فيما بعد، وهي التي كانت تحملها عربات تجرها حمير ويصيح صاحبها: الفحم الفحم. وكان فحم القرض المديني هو أجودها وأكثرها وهجاً ودفئاً. ولم نعرف من فاكهة الشتاء سوى القرع أو الأترنج فقط، وليس هناك شيء اسمه الكهرباء ولا التدفئة إلا ما جاء أعلاه، حيث الانكماش ليلا حول موقد النار المسمى (الوجار) وتخف برودة الجو بعد أن يؤدوا صلاة الظهر، وهو في الغالب لا الكل، لكن هزيع الليل الآخر يشتد فيه البرد، وهو ما يزعج الأمهات بالنسبة للأطفال الذين ينامون وقد شربوا حليباً دافئاً!!أما ما يغرينا في القرى صيفاً فهو العنب المحلي الذي يستزرعه الناس، وكذا مواسم التمر الذي لم تكن أنواعه إلا قليلة مقارنة بأنواعه الآن، وقد اشتهر في جلاجل ما يسمى بالسلّج وهو نوع من الرطب له حلاوة وطراوة حتى لقد تغنى به شاعر شعبي بقوله: يا سلّج بجلاجل... يا برد ما القاعيّه وكذا الدخيني (ولعله سمي دخينياً لأن لونه الأصفر مدخنا بحمرة) وهو النوع الذي يفضله متوسطو الحال لكثرة مائه ومهما أكلت منه فلا يؤثر على المعدة أو يغريك بشرب الماء، والنوع الأقل هو المسكاني، وهو قريب من البرحي المعروف الآن.كان أهل جلاجل يحبون ويكرمون من ينزل عندهم، ففقد كانت أسر معروفة هناك يخصصون لوالدي رحمه ورحمهم الله نخلة الموسم، ويخبرونه بأن له النخلة الفلانية يجتذ منها في موسم الخراف، وكان الناس يشترون ثمر النخلة وهو عليها فيأخذون منه يوميا، أي أنهم يجنون منه ما يكفيهم ليومهم، وذلك أنه لا يوجد يومها ثلاجات لحفظ التمر، ولا تكييف أيضاً فيأخذون ما يكفي لليوم فقط. *** وحينما أتيت إلى الرياض وأنا في السنة الرابعة الابتدائية، كانت مدرسة معكال هي وجهتي، فكنت أسير إليها حوالي السبعة كيلو مترات يومياً من بيتنا في منفوحة جنوب شارع الأعشى الآن، إلى أول سوق الغنم أو شارع دخنة، ولا أصل المدرسة إلا وأسفل الثياب قد ابتل من المطر في الشتاء. كانت أغلب الرياض على غير ما هي عليه الآن، حيث إن أغلب بيوتها من اللبن والطين بالرغم من وجود طابقين، أما البيوت التي نعتبرها أكثر جمالاً فكانت من الحجر البلدي، والعمارات الحديثة تنحصر في داخل البلد والأسواق والشوارع الرئيسة هناك، ويشق الرياض من الشمال إلى الجنوب الغربي وادي البطحاء المسمى الوتر، فيلتقي مع وادي حنيفة عند المصانع، لكن أذكره على غير ما هو عليه، إذ كان غير مسقوف، بل كان على جوانبه رصف حجر يسمونه (طوي) أو (طي) ولعله مأخوذ من الطيات التي يلتف بعضها فوق بعض.والشتاء في الرياض لا يختلف عن أي مكان آخر، لأن الشوارع في أغلبها لم تتشح بالأرضية اسوداء، وهذا يخفف من البرودة مع بيوت الطين المتلاصقة والمتراصة على صف واحد، وعندما تمت سفلتة الشوارع بدأ البرد والحر يزيدان، فكان الناس يستعينون بأكياس الفحم للتدفئة، وكم كان الفحم سبباً في اختناق الكثيرين، لكن نوافذ البيوت الطينية لم تكن محكمة بإتقان مثلها اليوم وهذا يخفف العبء ويقلل الخطر. والشتاء في الرياض (سابقاً) يخرج من ملابسك القديمة إلى الوجود، فتجد كبار السن يرتدون ثوبين من القماش الملون، ويضعون فوق غطاء الرأس ما يسمى قبعيّة، وهي مصنوعة عادة من الصوف أو الجوخ، أما المقتدرون فإنهم يلبسون ما يسمى بالبالطو أو العباءات الثقيلة، أو غيرها من الصوف الذي يجيء من العراق وسوريا وتركيا بالرغم من ثقل وزنه، أما أهل الصوف الكشميري فلا نراهم إلا نادرا، لأن لهم أحياء أخرى، وكان الناس يذهبون لسوق البطحاء أو حراج بن قاسم الواقع عند مسجد الإمام تركي بالديرة لشراء البالطو من البائعين الذين يجيئون بها على شكل ملفوف يحتوي على خمسين قطعة، ويسمونها بقشية، وهي في الغالب ستوكات تباع هنا. وفي الأسواق العامة أو سوق الغنم ستجد من يشعلون النار للتدفئة عليها بالرغم من انهماكهم في البيع والشراء، ولا تستغرب أن تسمع المحرج يقول: (أربعين ريالاً)، ثم يمشي ويرفع ثوبه بالقرب من النار للتدفئة ثم يعود للحراج، وفي الأسواق لا تفرق بين الوجوه شتاء، لأن أهل الدكاكين والمشترين غاطسون في ملابسهم التي يلفونها على رؤوسهم ووجوههم حتى لا ترى سوى العينين فقط، ولا ترى إلا الدخان يخرج من أفواههم في المربعانية، لكن الشيء المميز لأهل الرياض من العامة هو أن الشتاء يشقق أعقابهم حتى تكثر بها الصدوع التي لا يسدها سوى الودك المحمي على نار، وكم رأيت وأنا طفل رجالاً يخيطون عراقيبهم المتصدعة بأيديهم، لأن اللحم ميت فيها، ثم يكوونها بالودك لتلتئم!!أما ما يسمى بالفروة الآن فقد كانت نادرة، ولا يشتريها إلا المقتدرون، لأنها صوف أصلي غير مقلد مثله الآن، وهي تجيء عادة من سوريا أو العراق، ويسمون النوع الجيد منها (طفاليّة) أو (طفيلية) نسبة إلى صغار الغنم، أي أن الجلد والشعر الذي اتخذت منه هو من طفل صغير من الشياه. *** وإذا انتهى الشتاء وجاء الصيف في الرياض، فيعتبر مشتل الخرج متنفساً لأهل الرياض وما حولها صيفاً، وكان ذا أشجار كثيفة لم نعرفها في المنطقة وبه مياه متوفرة بكثرة، فهذا يسبح وذاك يطبخ والآخر يعمل قهوته تحت الأشجار، وكان الناس يومها أقل توحشا من هم اليوم، لأن حياتهم بسيطة جداً، أما الذين لهم أجنحة من مال، فكانوا يذهبون إلى الطائف، حيث مجلس الوزراء يكون هناك صيفاً وكانت الطائف متعة في الصيف ولا غيرها يوجد آنذاك ببرودة الجو مثلها، أو ربما أن الناس لا يعرفون إلا هي، فلذا تجد كبار السن يتحدثون عن شبابهم في الصيف يذكرون وادي وج والمثناة والشفاء والهدا وغيرها من مراتع الصبا هناك.والليل في الرياض بارد وجميل قبل أن نعرف ما يسمى بالبعوض، ففي الليل يخرج أغلب أهل الرياض إلى حيث يكون الهواء عليلاً، فهؤلاء يذهبون إلى المعذر (هو الآن حي من أحياء الرياض) وبعضهم يذهب إلى أم الحمام حيث واد هناك يكون الحمام فيه كثيراً قبيل الغروب، وأما أهل الصالحية وشرق الرياض فيذهبون إلى السلي والنسيم والروضة وما جاورها، وأما من لم يكن معه أسرة تصاحبه فإنه يذهب إلى مقاه حديثة في حي الشفاء، تسمى كيلو ستة، وسوف يجد هناك من يقدم له الشاي والماء البارد ونارجيلة تقرقر حتى يغلبه النوم، فينام على كرسي من سعف النخل، وهناك مقهى كان قرب ستاد الملك فهد الآن.وفي بداية الصيف أو قبيله تجيء فترة الامتحانات، وهي فترة تحدد الناجحين من الشهادات الابتدائية والمتوسطة والثانوية وغيرها، وكانت تعلن نتائج الناجحين في الابتدائية عبر الراديو، وهي حدث يستمتع به المجتهدون ويهرب منه المضيعون.فكنت ومعي عدد من زملائي نذهب إلى نخل (أم ماجد) رحمها الله وهو نخل يقع الآن في حراج بن قاسم الحالي أو حوله وتعود ملكيته إلى أم الأمير ماجد بن عبد العزيز رحمها الله، حيث إنها لا تمنع من يريد أن يستظل في الجزء الشمالي منه، لأن السور جزء من النخل معزول عن سور قصرها وبستانها المجاور له من الجنوب، فكنا نستذكر هناك حتى غروب الشمس، ثم نعود إلى بيوتنا لتكون مذاكرة كل طالب في سطح منزله الطيني تحت لمبة صفراء تحترق أحياناً إذا انقطع التيار وعاد فجأة، فينام الطالب وكتابه في حجره.وفي فصل الصيف، وخاصة في أيام الامتحانات لا تفوتنا صلاة الفجر مع الجماعة، فنكسب الحسنات، حسنة الصلاة مع الجماعة ورضا الله ثم الوالدين، اللذين يغضبان إذا لم نؤد صلاة الفجر مع الجماعة، ثم عدم توجيه إنذار لنا من إمام المسجد، ونكسب أيضاً حسنة المذاكرة باكراً بعد الصلاة وقبل الذهاب إلى الاختبار.للحديث بقية
فاكس 2372911 |