Tuesday 31th May,200511933العددالثلاثاء 23 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "دوليات"

عبدالعزيز الصقر.. كلام عنه والسلام عليهعبدالعزيز الصقر.. كلام عنه والسلام عليه
بقلم السفير: عبدالله بشارة

يوم الاثنين الماضي (22 مايو) انتقل رجل السياسة والاقتصاد عبدالعزيز الصقر إلى جوار ربه، بعد عمر مديد حافل بالمنجزات ومليء بالمشاهد التي صبغتها الحياة بكل فنونها ومفاجآتها، وسيظل اسم الفقيد المرجعية الصادقة لمن يريد أن يتعرف على سيرة الكويت السياسية والاقتصادية والتجارية، وأذهب إلى أبعد من ذلك بإضافة سيرة الكويت البحرية، لأنه الرجل الشامل، تجده سياسياً بارعاً مع قادة السياسة، وبحاراً متميزاً مع أهل البحر، واقتصادياً متحمساً مع رجال الاقتصاد، وأكثر من ذلك كان رجل المرجعية المهدئة عند الحدة السياسية في الكويت، وعند المنافسة في غرف التجارة العربية، وعند التصلب في قوائم الاختلاف في الانتخابات.
تميز دوره في نزع فتيل الأزمات، يهدئ الغاضبين ويطمئن المتشككين، ويقترح حلاً للباحثين، معتمداً على قوة الإقناع وعلى تجربة طويلة من العمل، وعلى تراث أخذه من والده الوجيه حمد عبدالله الصقر الذي ترأس المجلس الاستشاري عام 1921، الذي كان الخطوة الأولى في طريق إنشاء المجالس المتخصصة في الوزارات في الخمسينات، وكان البذرة للدستور الذي جاء عام 1962م.
في منتصف التسعينات، زرت المرحوم عبدالعزيز الصقر في ديوانه، ومعي المؤلف البريطاني روربرت جيرمان، حيث كنا نجمع معلومات عن الحياة السياسية للشيخ صباح السالم أمير الكويت 1965 - 1977م.
كان الحديث الأكثر أهمية الذي وقفنا عنده لوقت طويل أزمة 1964 حول المادة (131) لأن تلك الأزمة هي التي أدخلت الكويت في دوران مستمر من عدم الانضباط في السلوك السياسي.
تحدث المرحوم عبدالعزيز الصقر عن تلك الأزمة ومسبباتها وفق المعلومات التي كان يملكها، فقد كان رئيس مجلس الأمة، وقطباً بارزاً في الاستشارات، ورأياً راجحاً في التوجهات السياسية، ورغم مرور سنوات طويلة منذ اندلاع تلك الأزمة، فقد وجدته يستذكر شريطاً طويلاً ومتعباً من الاتصالات لإزالة الفتيل، مع تفاصيل دقيقة عن الترشيحات والأسماء وعن المترددين، وأكثر عن جولاته ومساعيه مع مجموعة القوميين واتصالاته مع المرحوم الشيخ صباح السالم الذي كان يسعى لتشكيل الوزارة..
في 30 نوفمبر من عام 1964، صدر المرسوم الأميري بتشكيل الوزارة في 8 ديسمبر توجهت الوزارة إلى مجلس الأمة لتقديم البيان الوزاري وأداء القسم، وخرجت الأغلبية من القاعة ولم يتوفر النصاب.
في الخامس عشر من ديسمبر جرت محاولة ثانية وفشلت الوزارة مرة أخرى، بعد الانسحاب واضطراب الوضع..
كان أمام الأمير الشيخ عبدالله السالم خياران: حل المجلس أو استقالة الحكومة، في 28 ديسمبر قدم الشيخ صباح السالم استقالته إلى أمير الكويت التي يقول فيها:
(لقد تحلت الوزارة إزاء هذه الإشاعات بالصبر والأناة، وبأمل أن تهدأ النفوس وتنقشع الغمة، التي كادت تخفي وجه الحقيقة عن الناس.
وليس ثمة أية مخالفة دستورية من أي نوع، لا في الأمر الأميري الصادر بتعيين رئيس المجلس الوزاري، ولا في مرسوم تعيين الوزارة الجديدة الصادرة بعد ذلك في السادس من ديسمبر 1964م.
وقد بذلت جهود مضنية لإنهاء هذه الأزمة المفتعلة، فلما ذهبت هذه الجهود سدى حرصنا على التريث حتى تعود سموكم إلى البلاد للوقوف على وجهات النظر المختلفة، مطمئنين إلى سلامة وضع الوزراء من الناحية الدستورية)..
ماذا يمكن لرئيس المجلس المرحوم عبدالعزيز الصقر أن يعمل وسط هذا الجو غير المسبوق من الاحتجاجات والمعارضة الحادة في مواجهة رئاسة المجلس ورئاسة مجلس الوزراء؟..
شعر المرحوم بحراجة الموقف السياسي، فقدم استقالته إلى سمو نائب الأمير الشيخ جابر الأحمد.
جاء رد نائب الأمير بأن سمو الأمير الشيخ عبدالله السالم، يرى ضرورة تغليب الصالح العام على أي اعتبار، وأن الصالح العام في هذه الظروف يتطلب تعليق أمر هذه الاستقالة إلى حين عودة سموه من الخارج.
ونتيجة لذلك أعلن رئيس المجلس المرحوم عبدالعزيز الصقر (نزولاً على رغبة والد الجميع صاحب السمو الأمير المعظم وتجاوباً مع شعور الإخوان، الزميل نائب الرئيس، والزملاء الأعضاء في الجلسة الماضية، الذين تفضلوا بزيارتي في الأيام التي تلتها.
لا يسعني إلا تعليق موضوع استقالتي من رئاسة المجلس، وشاكراً لحضرة صاحب السمو ثقته وحسن ظنه ولحضراتكم كريم شعوركم).
لكن الوضع لم يعد يتيح للرئيس عبدالعزيز الصقر الاستمرار، جاءت وزارة جديدة لم يكن طرفاً في المشاورات فيها، واستقالت وزارة كان له اليد الطولى في تشكيلها، ولا يمكن للعمل أن يستقيم بوجود الرئيس الذي شاهد تطورات سياسية غير متوقعة.
وبعد أن عاد سمو الشيخ عبدالله السالم إلى الكويت، قدم السيد عبدالعزيز الصقر استقالته في منتصف يناير 1965، وهي الاستقالة المسببة التي يقول فيها:
(وضح لكل منصف أن الأمر لم يكن فقط وليد الخطأ أو الإصرار عليه، وإنما كانت هناك أياد من بعض أعضاء الحكومة السابقة - ولا تزال، وراء هذا التعنت من فئة منتخبة كان المفروض فيها أن ترحب قبل غيرها بالتطور الشعبي الواضح في تشكيل تلك الوزارة حيث ازداد عدد أعضاء مجلس الأمة المشتركين في الوزارة من جهة وزاد عدد الوزراء الشعبيين في جملته من جهة أخرى.
ولكن للأسف الشديد تبين أن هذه الضجة التي افتعلت داخل مجلس الوزراء لم ترتض التشكيل الوزاري الشعبي المذكور).
خرج المرحوم عبدالعزيز الصقر من الرئاسة باقتناع قوي بأن الدستور لم يحترم وأن الجو السياسي غير مريح، لكنه حافظ على التزامه بالدفاع عن الدستور والتصدي لمحاولات العبث به..
وفي مشهد آخر في وفائه للدستور، يبرز المرحوم كرجل مسؤول أمام محنة الغزو، وقيادي موضع ثقة من القيادة ومن الشعب، في نزاهته ورجاحة عقله..
ويتحدث في ذلك المؤتمر التاريخي - مؤتمر جدة الشعبي أكتوبر 1990 - معبراً عن ضمير المواطن المؤمن بمستقبله..
يقول في خطابه أمام حشد من الكويتين: (لقد أثبت الشعب الكويتي في أصعب الظروف، وأشدها خطراً وفاءه بوعده، والتزامه بكامل دستوره وعقده، حيث تمسك بشرعيته ووقف وقفة الرجل الواحد وراء أمير البلاد وولي عهده، فسجل بذلك رائعة نادرة في التاريخ، كسب بها احترام العالم واجهض من خلالها أحلام الغزاة، بل إنني لأؤكد أن الإجماع الشعبي الكويتي في التمسك بالشرعية كان عاملاً حاسماً في تحقيق الإجماع العالمي غير المسبوق بتأييد الكويت).
ويدعو المرحوم عبدالعزيز الصقر في ذلك الخطاب التاريخي إلى: (الالتزام الصادق والتطبيق الواعي لدستور عام 1962، بكامل مواده وبنوده، لأنه بمثابة عباءة سياسية كويتية النسيج، ونموذج ينسجم مع مقدسات المجتمع الكويتي..
البيت الكويتي الجديد يجب أن يركز على إسلامية التربية والخلق، لممارسة تنشئة جيل يؤمن بربه مدرك لعظمة الإسلام وصلابته في الحق.
إن العروبة أصلنا وهي قدرنا الذي لا نريد ولا نستطيع منه فكاكاً).
يمكن القول بأن المرحوم عبدالعزيز الصقر رجل المهمات الصعبة، يتجلى في الأزمات، فكراً نيراً وحاسماً في القيادة ونظافة في التصرف.
وفوق ذلك كان شخصية مغناطيسية في التأثير، شاهدته في مؤتمرات غرف التجارة العربية التي ترأسها ووفر الحماية لمنتسبيها، بما فيهم الأمين العام برهان الدجاني الذي كان موقفه مزعجاً أيام الغزو..
نقلت للمرحوم استياء مجلس التعاون من الأمانة العامة لغرف التجارة، ومع انزعاجه من ذلك الموقف حافظ على هدوئه ولم يكترث بالمواقف الفردية، كان دائماً كبيراً لا يلتفت للصغائر.
عاش عبدالعزيز الصقر متدفقاً دائماً، في أدائه وفي أفكاره وفي أخلاقه، ويمكن القول في إنجازاته وتراثه..
ويستحق من أهله تدوين سيرته في سجل علمي عن حياته المملوءة بالأحداث السياسية والاقتصادية والإنسانية لتكون مرجعية لمن يريد زيارة الجناح المؤثر والمطلع في تاريخ الكويت.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved