|
|
انت في
|
|
ربما يكون من الإيجابيات القليلة المهمة التي أفرزتها الأحداث الأخيرة التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية الشعور بأهمية الحوار والشفافية بين فئات وأطياف المجتمع المختلفة في طرح الرؤى والأفكار، حتى تنمو هذه الرؤى والأفكار في بيئة سليمة بعيداً عن الدهاليز المظلمة وغياهب الأفكار الهدامة التي ينشط أصحابها في الخفاء وعند غياب فرص التعبير المقبولة. فعن طريق الحوار يمكن تصحيح الأخطاء إن وجدت، ويمكن تهذيب الأساليب وتعديل المسارات وفقاً لما يتفق وثوابتنا الشرعية والوطنية حتى لا يسهم تراكم هذه الأخطاء في تغذية التطرف الفكري وتوفير بيئة إقناعية يستطيع النفعيون الإفادة منها لتضليل الشباب وجرفهم لخانة التطرف وما يترتب عليه من تداعيات فكرية وأمنية واجتماعية خطيرة. وإذا كانت هذه القناعة بأهمية الحوار والتحاور قد أسست لسياسة وطنية جديدة من خلال ما نشاهده من فعاليات فكرية في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، فإننا كاقتصاديين نشعر أننا بحاجة ماسة جداً لحوار اقتصادي وطني بين فعاليات القطاع العام التي تمتلك عصا سحرية تعيق في كثير من الأحيان، وحسب النظام تحقق المصلحة العامة وبين نشطاء القطاع الخاص الذين يلهثون - حسبما يمليه عليهم رشدهم الاقتصادي والاستثماري - وراء تحقيق مصالحهم الخاصة. نحن بحاجة لهذا الحوار الاقتصادي العلني لأسباب كثيرة أهمها الشعور بأن المعالجة الفكرية للتطرف تطلب مساندة اقتصادية عالية حتى يمكن انخراط الجميع في منظومة عنصر العمل الوطني المنتج الذي يجد قيمته في الإنتاج والعمل أكثر من وجودها في الحفر المظلمة، والشعور بعدم قدرة المنتديات واللقاءات الاقتصادية في الماضي على تحقيق نتائج عملية ملموسة بدليل استمرار وجود البيروقراطية الإدارية التي تعيق تحقق المصلحة العامة وتعطل عجلة التنمية في كثير من مساراتها الحساسة وتسهم في القضاء على عوامل الجذب الاستثماري في الاقتصاد الوطني. ولعل ما يسهم أيضاً في إبراز الحاجة لهذا الحوار الاقتصادي الوطني استمرار بعض مسؤولي الجهات الحكومية في إساءة فهم دورهم ومهامهم العملية التي يفترض أن تكون موجهة لخدمة رجال الأعمال وتيسير إجراءات التعامل معهم بدلاً من التسلط الإجرائي الذي ينمي الشعور بالإحباط لدى رجال الأعمال ويدفع بهم للبحث عن فرص بديلة حتى لو كانت خارج إطارنا الوطني؛ مما يتسبب في خسائر مباشرة وغير مباشرة قد لا يدركها الموظف الحكومي الذي يفتقر في كثير من الأحيان لثقافة التعامل مع القطاع الخاص. صحيح أن ساحاتنا الاقتصادية قد شهدت سجالا مفتوحا وحوارا شفافا بين مسؤولي القطاعين ولكنها - للأسف - لا تزال قاصرة عن تحقيق الطموح الوطني الذي يستهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي وتخفيف الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل ويقلل من حالة الانكشاف الاقتصادي التي تهدد الاستقرار التنموي الوطني، وهذا يعني أننا لم نعد بحاجة إلى اللقاءات والندوات التي تنتهي بمجرد انتهاء الحفل الافتتاحي أو إعلان التوصيات النهائية، ولكننا قطعا بحاجة إلى حوار صريح له من البعد والغطاء السياسي ما يحقق لتوصياته البعد التطبيقي الذي تفتقر له معظم اللقاءات السابقة. نحن بحاجة إلى حوار لا يستجدي فيه القطاع الخاص القطاع العام ولا يشعر فيه رجل الأعمال أنه بحاجة إلى مسؤولي وموظفي القطاع العام، وإلى حوار مباشر يقضي على رواسب التطرف الإداري لدى بعض مسؤولي القطاع العام الذين لا يدركون خطورة ذلك على واقع ومستقبل اقتصادنا الوطني وعلى واقع ومستقبل استقرارنا المجتمعي، وإلى حوار وطني ينتهي بإزالة كل المعوقات التنظيمية والإجرائية التي تعطل عجلة الاستثمار وتزعج رجل الأعمال. فهل نسمع في القريب العاجل عن جلسة حوار مطولة لا يرتدي فيها الحضور سوى قبعة الوطن ولا يبقى من الإجراءات إلى ما يحقق مصلحة الوطن؟ أتمنى ذلك عاجلاً. |
![]()
[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة] |