حين افتتحت كلية الآداب في جامعة الملك سعود قسم الدراسات الاجتماعية، أقبل عليها الدارسون والدارسات حتى لم يعد من شغل يشغل الكلية إلاّ أمر مواجهة هذا الإقبال منقطع النَّظير، وحدث ذلك حين افتتاح قسم رياض الأطفال في كلية التربية في الجامعة نفسها، واشتدَّ الإقبال على قسم علم النفس، في حين هرب الدارسون عن أقسام كالجغرافيا، واللّغة العربية ولم يكن يرضيهم التَّوجيه إلى قسمي الجغرافيا والتاريخ، بينما كانوا يقفون في الوسط بين الإقبال أو الإدبار عن قسمي التعليم الخاص والتربية الفنِّية، في الوقت الذي فيه يقبلون على الإدارة العامة وإدارة الأعمال بينما يهربون عن قسم الأساليب الكمية في كلية العلوم الإدارية، أما قسم السياسة فكان اسمه فقط يحدد نمطية المقبلين عليه وكذلك قسم (النّظم) - القانون -... المعيار الذي حكم مؤشر الإقبال هو (المسمّيات) التي كان يقيس بها الدَّارِسُون مدى إمكانية أن تكون الدراسة (سهلة يسيرة) في هذا القسم أو (صعبة شاقَّة).. ثمَّ، بدأ مؤشر الإقبال أو الاحجام يرتهن بسمعة أساتذة الأقسام فالقسم الذي يُوسم أساتذته (بالصَّعوبة) يهرب عنه الدارسون والدارسات فيما يقبلون على الآخر الذي يوسم أساتذته بالعكس. ولم يكن التَّوجه يرتهن بالرغبة والميول إذ ما أيسر أن يقرِّر المتقدِّم للدراسة القسم الذي يختار من خلال رأي زملائه، أما أقسام اللُّغات فقد كان الإقبال عليها بدافع الرَّغبة في المغايرة وفي الاتِّصاف بالقدرة على عوج اللِّسان بلغة أخرى من أثرها على الدَّارسين والدَّارسات قبل أن يتقنوا قراءة جملة أو الحديث في حوار يسير أن يمشوا تُهزُّ الأرض تحت أقدامهم هزّاً... جاءت فترة في الجامعة أن مالت كفَّة التكدّس في أقسام دون الأخرى إلى أن تشمّر الجامعة عن ساعديها وتفرّغ جماعات من مسؤوليها وأعضائها للنَّظر في أمر تقليص القبول، وتغيير التَّوجه، ولفت مؤشر القبول إلى حيث تتم المعادلة في ميزان القبول، فتحت على إثر ذلك أقسام، وقلّصت أخرى، ووضعت الشروط وارتفعت نسب القبول، فيما الكليات الصّحيّة ظلَّ لها بريقها ولكن ظلّت تمثِّل بوابة مُحكمة الأغلال لا يدخّلها إلا بريء، ارتفعت نسب نجاحه، وفاز في اختبار قدراته... تكدَّس عدد الخريجين في الأقسام التي هرع لها الناس في البدء، وضاقت بهم دروب العمل، ولم يجدوا مجالاً للممارسة، وارتفعت البطالة بين المتعلمين والمتعلمات...، فعاد بهم الوضع لقبول العمل في غير اختصاصهم وانطوت بهم صفحات الدّرس إلى ذكريات... ورمس... المجتمع ينوء بعدد خريجي الكليات النَّظرية، وبعض العلمية، ولا تزال الجامعة تئنُّ من عدم معادلة الميزان...، ولم تعد الكفَّتان تتأرجحان حول التخصص أو الأقسام، وإنَّما حول ماذا يحتاج المجتمع من العناصر؟ وماذا تحتاج العناصر من التخصصات التي من الممكن أن تجعل المجتمع يواكب متطلبات الحياة بما فيها من ثورة معرفية لا تواجهها هذه الأعداد الهائلة من المختصين في مهبِّ الحاجة؟!.
|