Tuesday 31th May,200511933العددالثلاثاء 23 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "منوعـات"

نوافذنوافذ
الصراع
أميمة الخميس

كنت أتابع المساجلة الإعلانية على صفحات الجرائد، والتي تمَّت بين وزارة الصحة، وبين أحد الذين يمتهنون العلاج بأساليب الاستشفاء التقليدية في إحدى الدول المجاورة، وكنت أعلم أن هذه المساجلة، أو لنقل المطارحة، كانت تُعبِّر عن فكرين يتصادمان.. كل يسعى للفوز بالمساحة، بل كانت منطقة الصراع، هي بؤرة صغيرة تعبِّر عن دوائر صراع أكبر وأكثر شمولية.
فالمعالج الاستشفائي كان يتكئ على تاريخ، وإرث طويل للمنطقة يعتمد على الخوارق والأعاجيب والروحانيات وأساليب العلاج التي لا تخضع إلى القياس والتجريب، بل هي ببساطة نستطيع أن نعرِّفها بأنها تُعبِّر عن فكر الخرافة والأسطورة الذي يسيطر على المكان منذ قرون طويلة، أيضاً تلاقي قبولاً واسعاً في الأوساط الشعبية.
من ناحية أخرى نجد أن وزارة الصحة تعبِّر عن سطوة العقل، وقوة العلم الحديث.. ذلك العلم المؤصل بالتجارب المختبرية، والخاضع لأجيال من الفحوصات الإكلينيكية التي لا تقبل المصادفات، أو الأمور السحرية، التي لا تخضع للقياس، هذا الصراع بين الفكرين تبدّى بشكله الواضح على هذه الصورة التي تتبعناها عبر المساجلة الإعلانية من الطرفين.
الفكر العقلاني على المستوى العالمي، هو اللغة المفهومة، وهو الفكر الذي تتحدث به الحضارات التي لها الريادة الآن، لكن هذا الفكر العلمي مهما امتلك من حضور وأدوات، إلا أنه يبقى مُحاصراً حصاراً واسعاً على المستوى الاجتماعي والشعبي، الذي في كثير من الأحيان يجد أنه من المهم، أن يُغادر المريض عيادة المستشفى، ليتجه إلى طبيب الأعشاب، ليبتلع بعض (اللهومات)، وفي نظرة سريعة على المستوى التاريخي، نجد أن الصراع بين هذين الفكرين لم ينقطع منذ حقب طويلة، فنحن كثيراً ما كنا نراه (أعني الفكر العقلاني) يبرز في ومضات برقية سريعة، ومن ثم سرعان ما يخبو ويخضع لسطوة ظلام الخرافة الدامس، فقد لمحناه عبر فكر المعتزلة، حينما اعتزل واصل بن العطاء الناس في المسجد، وأرجع كل أموره إلى سلطان العقل، وقد ظهر هذا التيار أيضاً لدى أبي العلاء المعري، حينما جعل (إمامه) عقله، أيضاً أصّل له على المستوى الفلسفي الفقيه (ابن رشد) في الأندلس، وبعض شذرات من رباعيات الخيام.
وأنا الآن لست بصدد تتبع هذه الظاهرة على المستوى التاريخي، في هذا المجال المحدود، لكن وددت الإشارة إلى أن جذور هذا الصراع تتجذَّر عميقاً في بنياننا الفكري، وما المساجلة الإعلانية التي دارت بين وزارة الصحة والمعالج في دولة مجاورة، إلا إحدى صور هذا الصراع وتجلياته، التي تُعبِّر ببساطة عن الجدلية التاريخية التي تقوم على التّبدل، والتّغير الأزلي باتجاه أنظمة وعقائد أكثر احتفاء بالإنسان والمنجز البشري، وأقل اعتماداً على سطوة الخرافة.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved