* تحقيق - منيف خضير : يطرح غياب الكاريكاتير النسائي في الصحف أكثر من علامة استفهام.. لماذا هذا الفن تحديداً غائب من خريطة الإبداع النسوية؟! فالكاريكاتير فكرة ورسمة، والفكرة مطروحة للنساء بدليل وجود عشرات المفكرات والصحفيات والإعلاميات، والرسمة متاحة للمرأة؛ فهناك العديد من الفنانات التشكيليات والرسامات.. إذن هناك حلقة مفقودة خسرنا من خلالها ابداع المرأة - نصف المجتمع - في هذا الفن الساخر حتى في المجلات النسائية البحتة. في هذا التحقيق لم نفعل أكثر من أن طرحنا علامة استفهام كبيرة: لماذا يغيب الكاريكاتير النسائي؟!. بدايةً، وعن نشأة هذا الفن وتطوره حدثنا بسام بن عثمان الشقحاء - مشرف التربية الفنية بمركز الإشراف التربوي برفحاء - قائلاً: عندما ننظر إلى المسار التاريخي لنشأة الكاريكاتير فإننا نجده قد بدأ مع بداية الإنسان ذاته في الحضارة القديمة، وقد كان يشير إلى بعض الأشكال الضاحكة التي تم العثور عليها على جدران الكهوف والمعابد في حضارة مصر القديمة أو في الحضارة السومرية أو الآشورية، وهي تتميز بطابعها القائم على المبالغة أو الرمز إضافة إلى عنصر الرشاقة في تلك الرسوم التي توحي بالطرافة. ويضيف الشقحاء: وباستعراضنا لهذا النوع من الفن فإننا نجده قد تبلور في إيطاليا على يد الفنان الإيطالي (أنيبال كاراتشي) في العام 1585م، ويعتقد أن كلمة كاريكاتير قد تم اشتقاقها من اسم هذا الفنان، ثم جاء الفنان الإيطالي (بيترو جيزي) 1674 - 1755 فجعل من الكاريكاتير فناً مثيراً للضحك والتسلية والتفكير معاً، ويعتبر الفنان الفرنسي (دومبييه) هو الرائد في فن الكاريكاتير المنتشر حالياً في العالم، وأول من استخدم الكاريكاتير للتعبير عن الأفكار والآراء السياسية هو الفنان الإنجليزي (جورج تاوتسهند) الملقب بالماركيز!. ويرى بسام الشقحاء أن فن الكاريكاتير تنوع في أساليبه وأطروحاته الفكرية مضيفاً: وأصبح للكاريكاتير صورة كبيرة بنقده للمجتمع، وإظهاره للعيوب الاجتماعية كالفساد والحماقة، ويعتبر الفنان (هوجارت) رائد المدرسة الكاريكاتيرية الإنجليزية التي أصبحت تستخدم هذا الفن المؤثر كسلاح سياسي واجتماعي يحارب به الفنانون خصومهم بالرسم الحر المليء بالسخرية. وعن أشهر فناني الكاريكاتير في الوقت الحالي يضيف الشقحاء قائلاً: هناك البريطاني (نيكولاس جاولاند) الذي يعمل في جريدة (الاندبندنت) الشهيرة والبريطاني (بيتر بروكس) في صحيفة التايمز اللندنية، والفرنسي (ميشيل بلانتو) في صحيفة لوموند الفرنسية. أما عربيا فقال: أبرز فناني الكاريكاتير الشهير الفلسطيني ناجي العلي، والسوري يوسف عبدلكي، وعلي فرزات، والمصري علي عثمان، والبهجروي، والعراقي أسامة عبدالكريم، واللبناني حبيب حداد، ومحمود كحيل، والقطري سلمان عبدالكريم.. أما على المستوى المحلي فهناك عدة أسماء أبرزها محمد الخنيفر وعبدالسلام الهليل. الكاريكاتير والصحف المحلية
أما صلال المرزوق - صحفي سابق في صحيفة الرياض، بكالوريوس تربية فنية من جامعة الملك سعود - فيرى أن الكاريكاتير لا غنى عنه في الصحف المحلية، ويضيف قائلاً: المتتبع للصحافة المحلية يدرك بوضوح اهتمام الصحف به وازدياد المساحات المخصصة للكاريكاتير؛ باعتباره فناً يختزل الرسالة النقدية في قالب ساخر يصل إلى عدة شرائح في المجتمع بسرعة وسهولة. والكاريكاتير من أبلغ وأسرع الطرق النقدية في الصحافة المكتوبة, ويعتمد على الأسلوب الساخر البسيط الذي يصل إلى القارئ البسيط قبل المثقف، عكس المقال المكتوب والذي يحتاج إلى قدرة ذهنية معينة لفهم ما بين السطور؛ لذلك يرى البعض أن الكاريكاتير أصبح أبلغ من المقال أو التحقيق الصحفي في ايصال رسالته؛ فالكاريكاتير يعد مكملاً للعمل الصحفي مثل التحقيق والخبر والاستطلاع والصورة، فإذا استطاعت أي صحيفة تقديم هذه الخلطة الصحفية كانت الأقرب إلى استحواذ اهتمام القارئ ومتابعته. وعن اهتمام الصحافة المحلية به يضيف المرزوق: الاهتمام بالكاريكاتير في صحفنا المحلية في الآونة الأخيرة أكثر من السابق، ما دفع الصحف إلى استقطاب رسامي الكاريكاتير، بل إنه في الصحيفة الواحدة تجد عدة رسامين في مختلف القضايا والصفحات المحلية والسياسية والرأي والرياضة والاقتصاد وغيرها.. كما عملت الصحف على توفير كل جديد في عالمهم من تكنولوجيا ووسائل اتصال وغيرها، وظهور الصحف الملونة لا شك أنه أعطى الكاريكاتير مذاقاً خاصاً ينضوي تحت خدمة الرسام الذي تتحكم في إبداعه مسألة إجادته لطرح الفكرة وعرضها وفق ثوابت المجتمع وقيمه دون تجاوز قد يوقعه في براثن المساءلة والعقاب. وعن دور رسام الكاريكاتير في نجاح الصحيفة قال المرزوق: أحد رسامي الكاريكاتير البارزين عربياً كان يحتل الموقع المهم (الصفحة الأخيرة)، وكان متميزاً لدرجة أن القراء يبدؤون بقراءته، وقيل عنه: هذا الرسام علمنا قراءة الجريدة من الخلف. وهناك (كاريكاريست) كُثُر ساهموا في نجاح صحفهم، بل إن كثيرا من القراء يشتري الصحف ويشترك بها من أجل قراءتهم له، وهم معروفون ولا داعي لذكرهم. ولكن الكاريكاريست لا يمكن أن ينجح منفرداً؛ إذ لا بد له من الاعتماد على زملائه الصحفيين في مختلف الأقسام والتخصصات التحريرية، وهو أمر مهم يحقق ثراء جماً في أفكاره ويؤدي إلى تحقيق نجاح أكبر له ولصحيفته، ومثال ذلك الدويتو الصحفي مصطفى حسين رسام الكاريكاتير في صحيفة الأهرام المصرية وصاحب الفكرة أحمد رجب الكاتب الصحفي المخضرم. ويكفي كدليل لنجاح الكاريكاريست في أي صحيفة اهتمام معالي وزير العمل الدكتور غازي القصيبي بفن الكاريكاتير الناقد واحتفاظه بالرسومات الناقدة لوزارته في معارض وأرشيف الوزارات التي تقلدها. بل إن بعض الوزراء أرسل لجميع الإدارات التابعة لوزارته في مناطق المملكة رسماً كاريكاتيرياً نشر في إحدى الصحف ينتقد أداء أجهزة الوزارة، وذيّله بكلمات قليلة معتبراً الكاريكاتير أبلغ من تعميم وزاري مليء بالتوجيهات والعبارات الداعية لتصحيح أداء تلك الإدارات!. ويختم المرزوق حديثه عن الكاريكاتير والصحف المحلية مؤكداً أن الصورة الكاريكاتيرية تحول الحدث الواقع وخلفيته المجهولة إلى لغة مرئية، أما الكلمة المكتوبة فهي تحول الحدث الواقع وخلفيته إلى لغة مكتوبة، ومن ثم فإنها متخيلة قائمة على الصورة الذهنية التي تتلاعب بمدى بلاغتها ومصداقيتها على التصور لعدة عوامل مثل الثقافة ودرجتها ومستوى الفهم والتحليل والاستنتاج وغيرها، ما يجعل الصورة أكثر وصولاً من رسالة الكلمة؛ فهي نموذج مختزل لمجمل رسالة الكلمة الصحفية، وهذا سر اهتمام القراء والصحف المحلية (وغيرها) بهذا الفن، وانعكاس ذلك على المساحات البارزة التي يحتلها الكاريكاتير في الصحف!!. غياب الكاريكاتير النسائي!!
وعن سر غياب الكاريكاتير النسائي أو رسامة الكاريكاتير في صحفنا العربية والمحلية، رغم توافر أدوات النجاح في هذا المجال، التقينا بعدد من رسامي الكاريكاتير والفنانين التشكيليين، حيث تحدث بدايةً عادل بن عبدالله البديوي - بكالوريوس فنية - قائلاً: من أسباب غياب الكاريكاتير النسائي هو طبيعة المرأة الفطرية، فالله سبحانه وتعالى أعطى المرأة جانباً عاطفياً يطغى على تفكيرها وتتصرف وفقه، ما جعل المرأة الرسامة والفنانة تتجه إلى رسم الأشياء التي تحمل معنى عاطفياً، ما يفسر غياب الكاريكاتير والفن الساخر من خارطة الإبداع الأنثوية. ويضيف البديوي: والمرأة محدودة - بطبيعتها - بمنزلها وعملها وفق تخصصات محدودة وثقافة مؤطرة، وهذا يفقدها - مقارنة بالرجل - ملكة النقد والتي تأتي على شكل رسومات كاريكاتيرية ناقدة، ناهيك عن عدم تقبل نقد المرأة من بعض فئات المجتمع، ما يوقع المرأة في شباك الخوف جراء الخوض في هذا العالم الغريب عليها الذي لا تمسك بأوراقه بقوة، وبالتالي لم نر أي رسم كاريكاتيري بريشة امرأة!!. ويتفق معه في ذلك الفنان التشكيلي فيصل بن عبدالله السهو، مؤكداً أن الكاريكاتير فن يعتمد على نقد وتشخيص عيوب المجتمع، ورسومات تثير ردود فعل حادة لا تقبل المرأة الكاريكاتيرست بها!!. ويرى السهو أن فن الكاريكاتير يحتاج إلى سعة اطلاع ومتابعة دائمة لساحة الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية على مختلف مستوياتها، ما يجعل الفنانة تقف حائرة أمام بعض جوانبه وذلك بحكم التكوين الاجتماعي للفنانة في مجتمعنا السعودي، فمهما كانت فرصتها للاطلاع والمتابعة فلن تكون مثل فرصة الفنان، وعموماً فطبيعة المرأة تختلف عن طبيعة الرجل من الناحية الفنية، حيث إن رسومات المرأة تتسم بطابع النعومة والوضوح والشفافية، وفن الكاريكاتير من طبيعته الخشونة والغموض. ويختم السهو مؤكداً أن ثمة جوانب تناسب المرأة في فن الكاريكاتير مثل الجانب الاجتماعي بشرط أن تُمنح الفرصة الكافية. الجامعات والصحف
عدم تدريس هذا الفن في الجامعات ساهم في تراجعه مقارنة بالفنون الأخرى.. هكذا يعزو مرشد بن هليل العنزي - معلم فنية - أسباب تراجع الكاريكاتير النسائي، ويضيف قائلاً: إنَّ فن الكاريكاتير من الفنون المهمة التي لها دور كبير في تقويم سلوك المجتمع؛ ولذلك أصبح من الضروري تدريسه في الجامعات، مقارنة بمجالات الفنون الأخرى التي تهدف إلى تربية النفس وتهذيبها، ويعتبر هذا الفن من الفنون الحديثة التي ظهرت مؤخراً، وكان له دور في النقد والسخرية في جميع نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الرياضية، ونادراً ما نجد صحيفة أو مجلة تخلو من هذا الفن، ويؤكد العنزي على تدريسه كفن مستقل وتوجيهه الوجهة الصحيحة من أجل النقد البنّاء. وتساءل صلال المرزوق: كيف تريدون أن يزدهر فن الكاريكاتير النسائي دون أن تشجع الصحف المواهب الرجالية أولاً؟!. ويضيف قائلاً: في السابق كانت الصحف تعمد إلى وجود صفحات لرعاية الموهوبين في هذا الفن وتتيح لهم الفرصة للإبداع من خلال نشر رسومات الهواة، ويكفي هذا العمل تقديراً أنه أبرز لنا الرسام الكاريكاتيري المبدع عبدالسلام الهليل من صحيفة الرياض.. فالهليل خريج صفحة الهواة قبل عدة سنوات، ثم تلقفته جريدة الرياض ومنحت له مساحة وفرصة استثمرها جيداً. ويرى المرزوق أن من أسباب غياب الكاريكاتير النسائي عدم فتح المجال للمرأة باستثارتها عبر صفحات خاصة للهواة.. ومتى ما وجدت هذه الصفحات فالله يعينكم على الكاريكاتيرات. حلول مقترحة
بسام الشقحاء - مشرف تربية فنية - يرى أنه كجزء من الحل في إشكالية غياب الكاريكاتير النسائي في صحفنا المحلية من وجهة نظري أن يتم تعويض الرسامة بما ينقصها من فرص الاحتكاك المباشر مع الناس بالمجالات الأخرى كالاطلاع المستمر والقراءة العميقة واستخدام الإنترنت وغيرها من الوسائل التي تحفظ لها خصوصيتها كرسامة سعودية محافظة لتوسيع مداركها وزيادة حصيلتها الثقافية والفنية بما يؤهلها لكي تنافس الرجل في هذا المجال. ويرى الشقحاء أن من أهم أسباب غياب الكاريكاتير النسائي في صحفنا المحلية مرده إلى عدم توافق هذا الفن وطبيعة المرأة، مؤكداً أن فنان الكاريكاتير يجب أن يتصف بخفة الظل وسرعة البديهة والثقافة العامة، إضافة إلى احتكاكه المباشر بالناس وسماع متطلباتهم اليومية والمشكلات التي يتعرضون لها، وهذا لا يتاح للمرأة بنفس فرصة الرجل، وأي حل بمعزل عن هذه الفكرة يبدو حلاً بعيد المنال!. أما عادل البديوي فيرى أن الحل الأبرز الكاريكاتير النسائي هو عمل مسابقات تشجيعية من خلال الجامعات والمدارس والصحف والمجلات لكل من تجد في نفسها قدرة على التعبير عن أي موضوع عبر فن الكاريكاتير، واختيار الموهوبات في هذا المجال من خلال هذه المسابقات وتقديم الدعم الكافي لهن حتى تبرز موهبتهن على الساحة بشكل واضح. ويطالب فيصل السهو بإعطاء الحرية للفنانة السعودية بشكل أكبر، مطالباً بزيادة الوعي في المجتمع لتقبل النقد من كاريكاتيرات المستقبل، مؤكداً أن مجتمعنا لا يقبل النقد من رجل فما بالك بامرأة؟!. دور الإعلام والأسماء المستعارة
مرشد بن هليل العنزي يؤكد على دور الإعلام لتشجيع وتقديم المواهب الفنية، وإبراز ما لديهن من أعمال فنية في وسائل الإعلام المختلفة، وكذلك استضافة إحدى الرسامات الموهوبات وتخصيص مساحة خاصة بالموهوبات المبدعات، وتقديم الحوافز المادية والمعنوية لهن، ما له الأثر الأكبر على الموهوبات، ما يثري الساحة الفنية بالعديد من الأعمال المتميزة، اضافة لضرورة اتاحة الفرصة للرسامات الهاويات، وتشجيعهن على إقامة المعارض والأنشطة واكتشاف المواهب وتشجيعها وتقديم الدعم لها. وأخيراً يرى صلال المرزوق أن الحل الوحيد لايجاد كاريكاتير نسائي إذا توافرت شروط الإبداع هو (الدويتو)، بمعنى أن نبدأ برسامة كاريكاتير يزودها بالفكرة رجل إعلامي ناقد متمكن على غرار ما يحدث في جريدة الأهرام حيث إن جميع رسومات مصطفى حسين وابداعاته من أفكار أحمد رجب وهو صحفي متمرس وخبير. ودائماً يكتب في أعلى رسومات مصطفى حسين عبارة: فكرة أحمد رجب. وهذا في نظري حل مؤقت مبدئياً. ويعزز المرزوق هذه الفكرة بقوله: وفن الكاريكاتير نفسه كان غير مقروء في السابق من شرائح عديدة في المجتمع نظراً لكونه فناً غريباً حيث كان ينظر إليه على أنه فن للتسلية والإضحاك فقط، ومع مرور الأيام وبالذات في الفترة الأخيرة، أصبح القارئ السعودي يفهم رسالة الكاريكاتير بدليل التعقيبات والتعليقات التي نقرؤها في صفحات القراء. وهذا يقودنا إلى دعم فكرة الدويتو الآنفة الذكر.. والمجتمع حتماً سيعتاد وجود فن نسائي متطور، بل سيفرز مزيداً من المبدعات. وثمة فكرة أخرى لتشجيع الكاريكاتير النسائي هو إتاحة الفرصة للمرأة مبدئياً عبر الصحف على الإنترنت، وإذا لاقت استحسانا تنشر لها على صفحات الجريدة، وما دعاني لهذا الاقتراح هو وجود مواقع على الانترنت تُعنى بهذا الفن وتفرد له مساحات جيدة. أما آخر العلاج من وجهة نظري لإبراز وتشجيع الكاريكاتير النسائي في صحفنا المحلية فهو التستر بالنسبة للرسامة، واختفاؤها تحت اسم رجل حتى يتقبلها المجتمع وحتى تصل موهبتها، فإذا استوت الرسامة على سوقها ووصلت إلى مرحلة ناضجة كشفت عن اسمها الحقيقي مثلما يفعل بعض الشعراء.
|