في مثل هذا اليوم من عام 1935 صدر العدد الأول من مجلة الراديو المصري. لم يكن للإذاعة إدارة للعلاقات العامة، تؤدي مهمتها في التنويه عن دورها الإعلامي في خدمة المجتمع، تنشر فقرات برامجها، وفي العام الثاني لقيامها في مايو 1935 رأت الإذاعة أن تنشئ لها مجلة أسبوعية تقوم بهذه المهمة، وتكون لسان حال الإذاعة، وهمزة الوصل بينها، وبين الجمهور، وكانت الصحافة مقروءة واسعة الانتشار، ولديها الخبر الصحفي الكبير الذي يسع كل ما يراد قوله، ولم تشأ الإذاعة أن تخاطب الشعب من منبرها، وكانت تشعر بالحرج إزاء ذلك، وأنه إذا كان لها أن تشرح أو توضح أو تبرر فليكن ذلك عن طريق آخر غير منبرها الذي تذيع منه البرامج، واختارت الصحافة، فأنشأت مجلة (الراديو المصري). والمجلة بعد ذلك كله سوف تنشر تفاصيل البرامج الرسمية المعتمدة، وهي خدمة ضرورية للمستمع، ولاسيما، أن الصحف في المرحلة الأولي كانت تمتنع عن نشر البرامج، ولما فتحت صدرها بعد ذلك قليلا ظلت جريدة (الأهرام) فترة طويلة تنشرها في صفحة الوفيات. وقع الاختيار على (دار الهلال) لتتولى طبع المجلة ونشرها، وتوزيعها، وتولى رئاسة تحريرها رئيس القسم العربي بالإذاعة (محمد سعيد لطفي)، وعين لها مصورا كان في نفس الوقت مسئولا عن الماكيت، وجمع المواد والاتصال بالمطبعة، كما عين محررا أجنبيا لأن المجلة عند إنشائها كانت تتكون من قسمين عربي وإفرنجي. أما المحررون فكانوا هم رجال الإذاعة ذاتهم، وهم مدحت عاصم، ومحمد فتحي، وكمال سرور، وكان محمد سعيد لطفي يكتب مقال رئيس التحرير، والمحررون يقدمون المادة الإذاعية المختلفة، وهي عن البرامج التي يعدونها ويصنفوها، وعن موضوعاتها وجوانبها الفنية، ويصور المصور فنانيها، وبروفاتهم في الأستوديو، والمذيعين والمخرجين، والمتحدثين، وقارئي القرآن الذين يستمع إليهم الجمهور، ولا يعرفون أشكالهم. وكانت مجلة الراديو المصري تنشر وبانتظام بابا علميا مبسطا لا تجده في مكان آخر عن الأثير الغامض، وعن هندسة الإذاعة، وعن عملياتها الهندسية من استقبال للصوت وضبطه، وتنقيته وتحويله في محطات الإرسال إلى موجات كهربائية ممغنطة تبث من الصواري العوالي فتستقبلها أجهزة الراديو، وعن الاستوديوهات والتطورات التكنولوجية الجارية في عالم الراديو والإلكترونيات، وكان بعد هذه المادة مهندسو الإذاعة الإنجليزية وتترجم إلى العربية. كذلك كانت تنشر حديثا مختارا من الأحاديث القيمة التي أذيعت خلال الأسبوع السابق للنشر.. لأحمد زكي أو لأحمد أمين أو حسين فوزي أو عبد الوهاب خلاف أو تنشر قصة للمازني أو مسرحية مترجمة لطه حسين، وبطبيعة الحال كانت المجلة تنشر برامج الأسبوع العربية والأوربية مفصلة، مزودة بكل البيانات وصور الفنانين وكانت الإذاعة تحرص كل الحرص على أن تكون البرامج المنشورة هي التي تذاع دون تغيير أو تعديل، من البرامج المعتمدة كانت الصحف اليومية تنشر لخدمة قرائها برامج اليوم، أو اليوم التالي إذا كانت صحفا مسائية. كانت المجلة عاملا مكملا معززا للثقافات التي تذاع في البرامج، وعندما أذيعت سلسلة من الأحاديث عن الموسيقى الفلكلورية التي يمارسها أهل واحة سيوة، كانت تنشر في المجلة صور للمعازف وعازفيها وعن الواحة ذاتها ومجالسها، أو كان يدخل في البرنامج فنان جديد كانت تنشر صورته وخلفيته والغاية من إذاعته وغير ذلك من بيانات ومعلومات مشوقة حافزة على الاستماع والاستمتاع بالمادة التي تبذل الإذاعة الجهد الموضح لإعدادها في خدمة المستمع، كان يراعي الحرص الشديد والموازنة الدقيقة عند نشر بيانات عن الفنانين وخاصة الكبار المتنافسين منهم، وليس في حجم المكتوب فقط بل وفي حجم الصور أيضا، وكان أي إخلال بهذه الموازنة ينعكس أثره علي علاقة الفنانين بالإذاعة، لقد تحقق في وقت قصير الازدهار للمجلة واتساع نطاق توزيعها فرأت تكبير حيزها وفصلت القسم الإفرنجي وأنشأت له مجلة خاصة به أسميت (كايروكولنج)، وأصبح للإذاعة مجلتان (الراديو المصري) - (كايرو كولنج). الذي لاريب فيه أن مجلة الراديو المصري نجحت في خلق علاقة ودية وثيقة بين المذيعين والفنانين من جهة، وبين جمهورهم الضخم من جهة أخرى.
|