Wednesday 1st June,200511934العددالاربعاء 24 ,ربيع الثاني 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الرأي"

سفينة والدي رحمه اللهسفينة والدي رحمه الله
هاني بن مقبل المقبل

حاولت أكثر من مرة أن أمسك القلم وأسحب حبره على الورق للكتابة عن والدي لكن أعترف أنني فشلت.. فجأة لا أستطيع أن أبدأ وأقفل القلم وأترك الورقة بيضاء لعله يأتي وقت وأملؤها.. تكررت محاولاتي ولكن الفشل كان مصيري.. وبعد مضي أكثر من شهر على وفاة والدي سمحت أصابع يدي بالكتابة!!
حينما كنت ألعب وألهو وأنا في الصغر.. لم أشعر يوماً من الأيام أن والدي مختلف عن بقية الآباء.. أسمع من أحد الزملاء أن والده وبّخه وربما عنَّفه واعتدى عليه بالضرب نتيجة خطأ بدر منه.. كنت أستغرب وأسأل نفسي.. لماذا سيدي الوالد - رحمه الله - لا يعاملني مثل معاملة الآباء لأبنائهم بهذه الطريقة؟ سؤال كان يتجدد في كل مرة أسمع فيها عن عقاب وشكل جديد من أنواع العقاب، كنت أعتقد أنني (مؤدب) ولا يوجد مبرر لوالدي - رحمه الله - أن يسلك طريق العنف معي.. أو هكذا خيِّل لي من كثر ما سمعت.. براءة طفل!وبعد مضي السنين اكتشفت أن توقعاتي غير صائبة، وباسترجاع الذاكرة وجدت أن هناك من الأفعال والتصرفات (الحمقاء) كانت بدون أدنى مبرر تعطي الحق لوالدي أن يستخدم أقصى أساليب العنف في تأنيبي.. لكن حكمته في معالجة الأخطاء والتروّي في كيفية تصحيحها، كانت سمته رحمه الله مع جميع أبنائه.أسوق هذه المقدمة.. لأنها كانت دائماً في مخيّلتي طوال حياة والدي - رحمه الله - أتذكرها بين الفينة والأخرى، وعندما غادر الحياة الدنيا إلى جنة النعيم عند مليك مقتدر إن شاء الله، يوم الأربعاء 27 صفر 1426هـ الموافق 6 أبريل 2005م إثر مرض ألمَّ به ولم يمهله طويلاً في مستشفى الحرس الوطني بالرياض، عادت مجدداً لتسكن مخيّلتي بقوة لأتحدث عن سمة واحدة من سمات والدي الغزيرة المتنوِّعة.رحلت يا والدي وستبقى في ذاكرة جميع محبيك.. رحلت وإن شاء الله أنك قدت سفينة عائلتك إلى شاطئ الرغد والعيش والستر.. رحلت يا والدي ولم تسع يوماً إلى الدنيا.. رحلت يا والدي وكان مبدؤك العفو والتسامح.. رحلت يا والدي وخلدت ذكراك بالطيب.. رحلت يا والدي عن الدنيا بسرعة وكأنك لم تمض فيها 70 عاماً.. رحلت يا والدي وجميع أبنائك وبناتك بجانبك وقبل ذلك رفيقة دربك (والدتي).. رحلت يا والدي عن هذه الدنيا بصخبها ومفاتنها بكل هدوء.. سنبقى على عهدك دائماً عائلة واحدة متراصة لا يفرِّق بينها شيء.. سنسير على الطريق الذي رسمته لنا بتعبك وجهدك وحكمتك.
طوال وجوده - رحمه الله - في المستشفى طيلة الأسبوعين في العناية المركَّزة تحت تأثير الأجهزة وفي (غيبوبة).. لم أقنع نفسي أنه لا يعي ما حوله، بالعكس كنت أحس أنه يخاطبني ب(لغة خاصة) وفي حوار يلفه الصمت، كنت أصرّ دائماً على أنه يسمع، وأطلب من والدتي الغالية - حفظها الله - وبقية أفراد العائلة أن يتحدثوا معه، حتى وإن لم يكن هناك ردة فعل، لم أكن أتصوّر أو (لا أريد) أن أتصوّر أنه لم يعد قادراً على النظر والتحدث والسمع!ورغم ما يسببه بعض المرضى الذين يدخلون في غيبوبة - شفاهم الله وعافاهم من كل داء وسقم - من إزعاج لجهاز التمريض في أي مستشفى، إلا أن والدي - رحمه الله - ولله الحمد والمنة قبل وبعد كل شيء، لم يعكِّر صفو جهاز التمريض أو يزيد من معاناة عملهم، وكان التعامل معه في كل شيء بسيطاً وميسراً دون مشقة أو تعب يكلِّف التمريض، مثل ما كان يردد دائماً في دعواته (الله لا يحوجني لأحد).وما أثلج صدورنا وخفف من مصابنا الأليم أن الله أخذ أمانته، و(اثنان) من أبنائه يتلون عليه القرآن، حتى توقفت نبضات قلبه، وأخذ الله روحه بكل هدوء وسكينة، وأعلن الطبيب وفاته، وإن شاء الله أن هذه بشرى خير تدل على حسن الخاتمة، ووجوده خلال ال14 يوماً في المستشفى نسأل الله أن تكون تخفيفاً وتمحيصاً للذنوب.ومن نعم الله علينا المتعددة والتي لا تحصى.. أنه طوال اليوم الأخير له - رحمه الله - وقبل ساعات من وفاته، قبَّله وزاره وأدى السلام عليه جميع أحبائه، من والدتي وأبنائه وبناته وأحفاده، وأزواج بناته، وأبناء أخيه، وبعض أفراد العائلة، وكأن الجميع يعرف أن هذا اليوم هو الأخير له، أو بالأحرى كأنه أراد - رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته - أن يرى المقرَّبين إليه آخر مرة قبل أن يرحل إلى دار الخلد.لم يكن المشهد في مسجد ابن رخيص بمحافظة المذنب بمنطقة القصيم والذي تمت الصلاة فيه على والدي - رحمه الله -.. مشهداً عادياً.. بعد أن امتلأ المسجد بالمحسنين والأجواد.. واضطر البعض أن يصلي خارج المسجد.. وفي المقبرة هناك مصلون أيضاً.. وغزارة الاتصالات الهاتفية من القريب والبعيد.. والجمع الكبير الذي توافد على المنزل لتقديم العزاء.. لم يكن ذا مال.. أو جاه.. أو منصب.. لكنه الحب الحقيقي والقبول من الله.. من أحبه الله أحبه الناس.. وهذه من نعم الله علينا.
ويكفي أن طفلاً صغيراً لم يتجاوز العقد من عمره أصرَّ على تأدية الصلاة على والدي وهو لا يمت له بأي صلة، إلا أنه يقول لوالده: (أبصلي على ذلك الرجال الطيب)، وهو - أعتقد - أنه شاهده مرات بسيطة لكنه أسر ذلك الطفل الصغير، وأحد العمالة - باكستاني -، وهو صاحب مغسلة ملابس قريبة من المنزل، لم يكن للوالد أي تعامل معه، سوى أنه يشاهده في المسجد فقط، لم يستطع أن يمنع دموعه أن تنهمر من عينيه.كان حريصاً على الاجتماعات ومن أشد المناصرين على استمرارها، وتحظى الاجتماعات العائلية لديه بوافر كبير من الاهتمام، والحث على تغذيتها بالحديث عن أهميتها وفوائدها ونتائجها في المستقبل، حتى وهو على سرير المرض، وقبل أن يدخل الغيبوبة بأقل من ساعتين تقريباً كان يحث شقيقي خالد على الحرص على الاجتماع العائلي الأسبوعي في الرياض، وكأنه يعلم أن هذه الكلمات ستكون من آخر وصاياه - رحمه الله -، التي كان عنوانها الاجتماع.. وتفاصيلها الاجتماع.. وبدايتها الاجتماع.. ونهايتها الاجتماع.
علاقته بأحفاده قصص أخرى من الحب والعطف والحنان، إذا قلت إنها مميزة لم أصفها جيداً، وإذا وصفتها بالرائعة أكون قد أنقصت في الوصف، نعم.. ربما القريبون يعرفون ذلك وأكثر، يدخل أحفاده - رحمه الله - في جو خاص عندما تخطو أقدامهم أول عتبة من المنزل في محافظة المذنب بمنطقة القصيم، لأنهم يدركون جيداً أنه - رحمه الله - ملاذ آمن وحضن دافئ، بعيداً عن توبيخ آبائهم وأمهاتهم على بعض تصرفاتهم أو سلوكهم، يرفض أي منهم أن يوبّخ أبناءه ما دام أنهم داخل أسوار منزله، ووصل الحال من العلاقة الحميمية أن أحفاده ببراءتهم ينادونه دائماً بمسمى خاص بين الطرفين ب(بابا دندن)!رحل والدي ولم يكن يشره على أحد بقول أو تصرف أو التواصل من عدمه، يحاول أن يجد ألف عذر وعذر وألف مبرر حتى لا تكون هناك ملامة على أي شخص، وجه آخر من سماحته وطيبته وحسن تعامله، وطريقة تعامله مع المواقف - رحمه الله - أنه (يكبّر الحسنة) و(يصغّر السيئة)، يتحدث ويكرر المواقف الإيجابية مهما كان حجمها، ويتناسى ويتجاهل المواقف السلبية، ليس لشيء سوى أنه يدرك معنى كلتيهما.كان بسيطاً في نظرته للحياة، لم يركض خلف الدنيا، كان يدرك جيداً أنها (فاتنة) و(فانية)، ويردد دائماً أن المصير واحد (كفن وقبر). ويروي لي أحد الأقارب من جملة الأحاديث بينه وبين الوالد، أنه في يوم من الأيام ذكر له أنه لا يخاف من الموت أدى رسالته البسيطة.. زوّج بناته.. واعتنى بأولاده حتى أصبحوا رجالاً يعتمدون على أنفسهم، كان مقتنعاً بما يسَّره الله له ومنَّ عليه، لسانه رطب بذكر الله في كل الأوقات، الدعاء لا ينقطع عن لسانه، علماً بأن تعليمه كان محدوداً جداً، لكن الله بفضله منَّ عليه بهذه النعمة.اللهم اغفر لوالدي وارحمه وأسكنه فسيح جناتك، اللهم اغفر له وارحمه وتجاوز عنه، وأكرم نزله، ووسِّع مدخله، ونوِّر قبره، واجعل مد بصره مثل مد قبره، ووسِّع له في منازله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، اللهم أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، اللهم قه عذاب القبر وعذاب النار.اللهم آجر والدتي.. اللهم أعني على بر والدتي على الوجه الذي يرضيك عني.. اللهم أعني على بر والدتي على الوجه الذي يرضيك عني.. اللهم أعني على بر والدتي على الوجه الذي يرضيك عني.
نبض المشاعر:


يعزوني فيك يا يبه ويقولون أبوك مات
يواسوني فيك قلت أبوي حي وموجود
توقف الجسم فجأة وانهمرت الدمعات
مثل المطر لا هل وجاء بين السدود
هو صحيح راح عنا لكن ترك لنا خيرات
رحمة الله عليك يا بوعلي راعي الخير والجود
صاحب الوجه البشوش وكل العلوم الطيّبات
الوفاء طبعه وسماته ما ينقض بالعهود
سيرته وذكراه تبقى وتعطر كل الممرات
يا يبه بعدك تغيّر علي كل شيء وتكهرب المود
ضعيف وحزين كني أعيش في وسط الغابات
ضايع ألتفت يمين ويسار خايف من الأسود
الله يرحمك يا يبه ويسكنك فسيح الجنات
ويرحمنا ويغفر لنا يوم نوضع في اللحود
والله لا يعيد علينا أيام الحزن ويزيد المسرات
ويحفظ والدتي من كل مكروه وعين وحسود

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved