أعود لموضوع البيروقراطية في مكاتبنا - الذي كتبته السبت الماضي - وكيف أني شبهت هذه التعقيدات الإدارية والروتين غير الضروري في إداراتنا ومؤسساتنا الحكومية مثل الديناصور الذي أوجدناه ليبتلع كل صغيرة وكبيرة في حياتنا العامة والخاصة.. وأصبحنا مواطنين تعساء لا ندري ماذا نعمل، وكيف نتحول.. ونحن نعيش حالة أطبقت على شؤوننا وعرقلت كل أمورنا، وكل موضوع وقضية نواجهها.. حتى أصبحنا رهناء لهذا الروتين أو ما يطلق عليه بالشريط الأحمر، وأصبحنا مواطنين تعساء نتصفق في مكاتب الإدارات الحكومية، وكأننا نتسول بين الموظفين والمدراء والخاصة والعامة. واقترحت أن تتدخل الإرادة السياسية في بلادنا لوضع حد لهذا النزف اليومي الذي يريق جهد ووقت ومكانة المواطن.. وتتمثل هذه المبادرة السياسية في فرض برنامج زمني لتقليص تعقيدات العمل البيروقراطي الذي يعيق مصالح المواطنين، كأن - مثلاً - يطلب من هذه الجهات تقليص ثلاثين في المائة من هذه التعقيدات خلال عام واحد، وخمسين في المائة خلال ثلاث سنوات.. وإعلان الدوائر الحكومية والقطاعات الخاصة عن حجم هذا التقليص والأعباء والاشتراطات على المواطنين في الصحف، على شكل أخبار أو إعلانات، حتى يعرف المواطن حجم هذا العبء الذي سقط عنه.. كما تشارك وسائل الإعلام في تنظيم حملات وطنية للتوعية بثقافة العمل، وأهمية الإنجاز، وضرورة سرعة الأداء.. ومن المشاكل المزمنة التي نعاني منها في دوائرنا الحكومية داء المركزية، فكل أمورنا تبدأ وتنتهي من نقطة مركزية في الهرم الإداري لكل منشأة حكومية.. وكل صغيرة وكبيرة من معاملاتنا وعلاقاتنا وموضوعاتنا وقضايانا لابد أن تمر من خلال السقف الأعلى في هذا الهرم الإداري.. وقد لا تصدقون أن أصغر الأمور لابد أن تتحرك إلى الأعلى لتصل إلى معالي الوزير، وفي أحيان كثيرة لابد أن تصل إلى القيادة السياسية العليا.. وهذه المركزية لا تخدم أي طرف من أطراف أصحاب العلاقة، من مواطنين، أو موظفين، أو مسؤولين.. وعلى الرغم من وجود بعض الإيجابيات، إلا أن المركزية هي مجموعة أكبر من السلبيات، التي يمكن إيجازها في النقاط التالية: 1- المركزية، تعني بالمفهوم الأولي لها عدم قدرة الأشخاص في السلّم الهرمي للإدارة الدنيا والوسطى على اتخاذ القرار.. أي أن هذه الحشود الكبيرة من المدراء والموظفين من ذوي المراتب الخامسة عشرة والرابعة عشرة والثالثة عشرة والثانية عشرة.. ولربما مراتب ممتازة، وربما مراتب وزارية.. وبطبيعة الحال كل المراتب الدنيا الأخرى.. كل هؤلاء لن يكونوا قادرين على اتخاذ قرار إداري يهم موظفاً في دوائرهم، أو يحل مشكلة لمواطن، أو يوافق على ترقية أو انتداب، أو شراء ساندوتش لضيف يزور المصلحة.. وهذه نقطة محورية جداً فالمركزية هنا تعني تعطيل العقول الحاشدة في معظم دوائرنا ومصالحنا وأجهزتنا.. وقد فاجأني وكيل وزارة عندما ذكر لنا في إحدى الجلسات أنه لا يستطيع شراء وجبة لضيوف يأتون إلى الوزارة حتى بقيمة خمسة عشر ريالاً دون الرجوع إلى معالي الوزير.. 2- المركزية، تعني تعطيل اتخاذ القرار وتسويفه، وتضييع وقت ثمين وغالٍ للمواطن أو للموظف أو للموضوع أو للقضية حتى يصدر بها قرار مركزي من القيادة التنفيذية للجهاز، أو ربما ترتفع إلى القيادة السياسية.. وهذا يتفق مع ما طرحته في المقال السابق من أن كثيراً من مصالح المواطنين تتعطل بسبب هذه المركزية.. 3- هذه المركزية أفرزت موظفين بيروقراطيين يخشون اتخاذ القرار، ويلعبون في الساحات الآمنة فقط.. ويترددون في اتخاذ أدنى قرارات السلطة الإدارية التي هي من صميم مسؤولياتها.. وعادة ما يتوجه هؤلاء الموظفون إلى رفع المعاملات إلى الأعلى وليس إلى اتخاذ القرارات.. وعلى الرغم من ذلك، هناك جهود لبعض الأجهزة في تخفيف الإدارة المركزية في عملها، وقد أثلج صدري خبر نشرته الصحف الأسبوع قبل الماضي عن تفويض معالي وزير التربية والتعليم لنائبيه الكثير من صلاحياته الوزارية.. وهذا الخبر يعتبر نقلة كبيرة في مفاهيم الإدارة العليا في بلادنا، ومحاولة مهمة جداً في الحد من نظام العمل المركزي الذي تتبعه الوزارات والهيئات والجامعات في بلادنا.. ولكن يظل السؤال هل المركزية في وزارة التربية والتعليم نزلت درجة واحدة فقط، أم أن نائبي الوزير سيفوضان أيضاً قيادات تعليمية أخرى لكسر حدة المركزية في اتخاذ القرار التعليمي.. 4- المركزية تعني بشكل مباشر استنزاف وقت وجهد القيادة التنفيذية والسياسية، ومعها المكاتب والأجهزة الإدارية المرتبطة بهما، في محاولة فقط للرد على هذه الكميات الهائلة من مختلف أنواع المعاملات والقضايا التي تأتي من كل الأجهزة الحكومية ومن شتى مؤسسات القطاع الخاص، ومن مختلف المناطق، ومن الداخل والخارج.. وبكل تأكيد فإن معظم هذه المعاملات كان يمكن اختصارها إلى النصف، لو تم إعطاء الصلاحيات، أو بشكل أدق وبموضوعية أكبر لو مارس المسؤولون والموظفون صلاحياتهم المعتادة.. وبناء على ما تقدم، فإني أدعو لإطلاق مبادرة وطنية لتسهيل أمور المواطنين وتخفيف الروتين الحكومي وتقليصه إلى أقل الدرجات الممكنة.. ولتكن هذه المبادرة ضمن عدد من المبادرات في إطار تحسين الأداء العام للأجهزة الحكومية وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين..
رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للإعلام والاتصال أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الملك سعود |