Saturday 18th June,200511951العددالسبت 11 ,جمادى الاولى 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

ما يحدث بين النُّخَب.. صراع أم حوار؟ما يحدث بين النُّخَب.. صراع أم حوار؟
عبدالعزيز السماري

في تاريخ الأمم تؤدي النُخَب أصعب الأدوار وأكثرها تأثيراً في استقرار المجتمع أو تفجيره، لكن في هذا العصر ظهر عامل جديد على ساحة الحوار النخبوي ألا وهو وعي الإنسان العامي وتصاعد درجة اهتمامه بفَهْم ما يحدث في مجتمعه، فالأمر لم يعد يتعلق بنخب تؤدي أدواراً في صالات مغلقة؛ إذ أن وسائل المعرفة حطمت الأسوار التي كانت تحرسها النخب.. ولعل المعارك الساخنة التي تحدث في البرامج الفضائية وفي بعض المواقع الالكترونية خير شاهد على ارتفاع نبرة الصراع بين النخب والعامة، وأيضاً على اشتداد درجة التمرد على ما تحاول بعض النخب إيصاله للجماهير.. الحوارات تشتد يوماً بعد يوم، والإقصاء يمارس في أشد صوره في تلك المواقع.
فالواقع الذي يمثله الإنسان العامي يقف أحياناً مشدوداً ومندهشاً من تلك الأطروحات النظرية التي يلقيها عليه يوماً ما الداعية السلفي الملتزم في موقع، وفي يوم آخر يسمع ما ينقضها أو يقلل من قدسيتها من المثقف المتعدد المرجعيات الإنسانية.. هو يقف حائراً من حدة اللغة الاقصائية التي تحمل في ثناياها مفردات الصراع وأدواته، فهو إن لم يحاول الابتعاد عن تلك الأجواء فإنه لا بد أن يختار أحدهما ويخضع لشروط اللعبة أو المنافسة غير الشريفة حسب وجهة نظري.
فالداعية يخرج يومياً من على المنبر ويتحدث إليه عن النظام السياسي في الإسلام وضرورة الالتزام بمبادئه وأصوله، بينما يخاطب المثقف عقله بعد الالتزام بالتراتيبية الهرمية عندما يكتب له عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية.. وفي معاملاته التجارية يكاد يسمع يومياً المحذورات من الدخول في المعاملات التجارية المشبوهة وعن الأسهم (النقية) وغير النقية.. في حين يبارك الخبير الاقتصادي مبدأ الاقتصاد الحر ويشدد على أهميته الاستراتيجية في التنمية الحديثة.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك في شؤونه اليومية.. ففي الإعلام أيضاً لديه قضية، فالقنوات المباحة التي له أن يتابعها محدودة عندما يستمع للداعية، في حين تدعوه نخب أخرى للانفتاح على العالم ومتابعة القنوات التي لا تلتزم بما يمليه عليه مفتيه.
كذلك عندما يُصاب بداء لا سمح الله فإنه كذلك يسمع بضرورة التداوي بالطب الشرعي، لكن حين يزور طبيباً في عيادته فإنه يسمع منه حديثاً آخر.. وأسباباً متنوعة وتداوياً مختلفاً.
أزمة صراع نخبوي يعيشها الإنسان العامي، والسبب غياب منهج أو أرضية تقنن تواجد ذلك الاختلاف أو التناقض - إن صح التعبير - وتقنع العقل العامي أن ما يحدث من اختلاف هو حوار حضاري وأمر طبيعي حدوثه ويجب تقبل الآخر مهما كانت درجة الاختلاف معه.
صراع النخب بدون تقنين ومساحة مقننة لحرية التعبير له عواقبه السلبية، هذا إذا أدركنا أن حيزاً منها - أي من النخب - يستغل هذه الضبابية ويسعى من أجل مصالحه الفئوية، ولا يكترث بمصلحة الوطن ومستقبل الإنسان فيه، وتلك هي ثالثة الأثافي والعاقبة التي لا تُغتفر، فالمنطق أو التبرير الذي تسعى من خلاله لخدمة مصالحها الضيقة أصبح هشاً وسهل الفَهْم عند إنسان العصر الحديث.
ليس الخطأ في وجود الاختلاف أو التناقض، إنما يكمن الخطأ في غياب أصول وقوانين تحرس ذلك التنوع في المشهد الاجتماعي.. وهو ما يستوجب استدعاء فكرة الحوار الوطني الفكري من جديد، والدعوة الملحة لظهور قيادات فكرية قادرة على ترويض الخطابات الثنائية المتنافرة على قاعدة موحدة تسمح بالتعددية وتؤمن بحرية التعبير، لكن تمنع خطابات الاقصاء والتشنج والتوسل غير المشروع لدى السلطة لضرب طرف آخر أو إقصائه من ممارسة حرياته واختياراته المسؤولة.
فالعقل أيها السادة لم يعد تحتكره النخبة كما كان في سالف الزمان، فقد تململ من فكر الوصاية ولم تعد التبريرات غير المنطقية قادرة على إقناعه بأن هذا الخطاب الحاد والمتناقض وتلك الممارسات المتضادة شيء طبيعي في المجتمع.. بل هي أحد عوامل التوتر فيه في ظل غياب أنظمة تؤسس وتقنن شرعية التعدد والاختلاف.
منذ القرون الأولى ونحن نعيد صناعة الإقصاء ونكرر صياغة التبريرات غير القادرة على تهدئة عواصف الصدام الذي لا يتوقف.. ويبدو أن الساعة عادت تدق من جديد، فالصراع النخبوي الضيق الأفق سيؤدي إلى التحزب غير المشروع مرة أخرى ومزيد من الكراهية والعداء للآخر، وهو ما يعني أن فرصة استمرار الانفجارات الفكرية أمر وارد حدوثه مرة أخرى.
لا بد أن نستمع للجماهير ولآرائهم التي هي نبض الوعي العامي، فالنخب بكل تأكيد فشلت في أداء الدور التاريخي الذي من المفترض أن تؤديه من أجل استقرار المجتمع أو تهيئته إلى التغيير أو الانتقال إلى مرحلة جديدة.. والسبب أن النخب منقسمة ولم تثبت بعد أنها قادرة على التخفيف من شراسة الحروب الفكرية بينهما.
نحن في أمسِّ الحاجة إلى استراتيجية موحدة للفكر وأرضية صلبة تمنح الجميع فرص المساواة والحقوق التي لا تجعل منه أداة في يد عقل نخبوي مؤدلج يسعى فقط من أجل خدمة مصالحه الخاصة جداً.. فالتنمية البشرية المستدامة تكمن في القدرة على تنمية وعي (عامي) جديد يشدد على أهمية الحفاظ على استراتيجية (التنوع ضمن الوحدة)؛ وذلك من أجل تجاوز الانقسامات والاقصاء والتفرد بجميع أشكاله التقليدية والحديثة.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved