* بقلم: ناهد بنت أنور التادفي : لا أدعي أنني سأعمل على إجراء دراسة نقدية أو تحليلية لمضمون الكتاب الذي بين يدي، ولكنني ومن خلال قراءتي لهذا الكتاب المهم، أراني أحمل بعض نثرات انطباعية قد تعبر عن أهمية ما قرأت بين جلدتيه. وقبل أن أعرّج على المضمون الفكري - بعيد المرمى - للكتاب، لابد أن أشير بكثير من الإعجاب إلى الخط البحثي المنهجي الذي اعتمده الباحث في كتابه، والذي استطاع من خلاله أن يحيط بالموضوع من كل جوانبه (التاريخ والأسباب والنتائج والصيغة والاجتماع والتصدي والصمود.. إلخ!). وبنظرة شمولية واسعة وتأمل استشرافي أتصوّر بأنه قريب جداً من الصواب (وبعلم الله). ولكن عندما نتلمس أسباب العلة ومواطن المرض يكون وضع العلاج أسهل للنجاة من التخبط والتوهان. إن الكتاب بفصوله المتعددة وإشاراته الكثيرة، وتناوله لموضوعات ساخنة وملفتة سواء باستفاضة أو بتلميح وإشارة، يندرج في منظومة البحث عن الأمن بكل الأبعاد والظروف والتخصيص. وأستطيع أن أقول إنه يؤكد وينادي لاعتماد إصلاحات فكرية سياسية واجتماعية وتربوية وخدمية وتنظيمية تحقق مسألة الأمن الوطني داخل المجتمع السعودي، في الدولة السعودية التي يصفها بأنها: (قامت على مرتكزين رئيسين هما: السيادة السياسية المتمثلة في النظام الملكي، والعقيدة الإسلامية السمحة المرتضاة من عند الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة وفق ما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتبعاً لما استقر عند علماء المسلمين) ص87 . وهذا يفرض أن تكون لنا خصوصية ترتكز على تلك القيم التي قامت عليها الدولة، دون استيراد ثقافات الغير، بل التي تتناسب وتتوافق مع تعليمات ديننا وتقاليدنا وأخلاقنا، وتصل بنا بالمحصلة إلى الكمال الذي ننشد، وتندرج كلها تحت عنوان (ثقافة الأمن). والكاتب يفصل ببيان حصيف بين ثقافة الأمن العام الذي يحقق للشعوب أمانيها وأمنها، وبين ثقافة تحمل خصوصية ذاتية نرجسية وأنانية تحت شعار ما يزال يشهر في وجه الشعوب في كل يوم عن تحقيق أمن القطب الأوحد في العالم ومن خلال ضربات عسكرية وسياسية يسمونها (استباقية)!. يقول الكاتب في مفتتح الكتاب: (ويبقى الأمن الوطني للغرب الأشقر) كما وصفه الكاتب جائعاً لكبش جديد فتفتق عقله على حقيقة مفزعة للعالم أن الأفغان والعرب والمسلمين والتركمان والأكراد وغير هؤلاء ممن ليسوا حمراً (يقصد الكاتب الاتحاد السوفيتي السابق) و شقراً قد باتوا يهددون أمنه الوطني، ولأن (الناس مقامات) فقد تم اتباع آليات الضربات الاستباقية) ص25 . لنفهم أن ذلك القطب الذي يعتلي سقف العالم (الآن) وبعد أن تفكك نظام الشيوعية العدو التقليدي السابق ما يزال يخترع أصناماً أخرى ليحاربها هنا وهناك تبرر تحقيق مشاريعه المشبوهة تحت شعار الوقاية الأمنية الاستباقية. ما من شك في أن ال د. عبدالله بن ناصر الحمود أشهر من أن يعرّف، فهو رجل واسع الاطلاع ومتابع ومثابر وموسوعي وقارئ بدرجة امتياز للواقع والماضي والمستقبل، والمطلع على ثقافة الآخر، وهذا كله يسهل أمامه الإحاطة بأكثر الجوانب أهمية للمضي في كتابه البحثي على الشكل الأمثل. فقد كان موفقاً أولا في اختيار العنوان وأستطيع أن أقول إنه عنوان إشكالي بجدارة، وسؤال مفتوح على جبهات ومعارف كثيرة (من أين أُتينا) يبدو السؤال أمام سيل ما نعرف عن أنفسنا وماضينا وتاريخنا سؤالاً سهلاً، لكنه يُدخلنا في حرمة التفكير عندما يضيف إلى عنوان الكتاب (محاولة لفهم الواقع الذي استعصى) هنا تطرح الإشكالية نفسها بقوة، فهو واقع والواقع متاح ونعيشه، ولكنه استعصى أمام كمّ من الظروف المضادة في مسيرة حياتنا الداخلية، وفي المملكة العربية السعودية على وجه التحديد، التي سيأخذنا التصور إلى أنها متغيرة وليست ثابتة، وهذا النمط المتغير (وهنا مكمن الإشكالية) لابد أن يكون بسبب أحداث ليست عادية، وما هو غير العادي الذي يلج واقعنا الآن؟ وربما يكون المحرّض الأهم في عملية البحث عن (استعصى) هذه؟ لنجد أنه بين هلالين كبيرين (الاضطراب الأمني) والفاعل الأهم فيه (الإرهاب)!. من هنا يكتسب العنوان هذه الأهمية الضرورية لشد القارئ لتصفح الكتاب، ليجد أنه حقيقة في ساحة حوار مع الذات ومهيأة للحوار مع الآخر أيضا ترتكز على علم وتوثيق ومراجع كتبها الدكتور عبدالله بلغة سهلة وممتعة وفي كثير مقاطع ساخرة، وهي السخرية السوداء التي وهي تضع ابتسامة على وجوهنا تجلدنا بسياط الألم والحسرة. وأيضا كان الصدق والصراحة ونقد الذات الإيجابي والحقيقة ديدنه في طرق الموضوعات الدقيقة التي تمسنا مباشرة ولو كانت تشعرنا كثيراً بالهوان الذي وصلنا إليه من خلال تراكمات تاريخية موغلة بالقدم جعلتنا وكما يقول الكاتب نقع في سؤال إشكالي آخر.. فقد كنا - وما أكثر أن نتكئ على ال (كنَّا) هذه - ومن خلال رسالة الإسلام منفتحون على العالم كله، على العكس تماماً من واقعنا الآن وحجّتنا (المؤامرة وأننا مستهدفون دائماً..!) يقول الكاتب: (هذه المقابلة الواقعية بين (استهدافين عالميين) تؤكد ضرورة القفز فوق أطروحة الغزو ونظرية الاستهداف ليس لأنهما غير موجودتين بل لأنها يمثلان حقيقة كونية حتمية لا يليق بمجتمع معاصر تعليق فشله أو نجاحه بهما) ص119 . ويشير الكاتب في معرض بيان بعض أسباب تقوقعنا الاجتماعي إلى أننا لا نملك ثقافة الحوار مع الآخر، ولا فهم قفزاته الحضارية الإيجابية وبيان جدارة ثقافتنا لنكون على قدرة العطاء والاكتساب، ولا نملك حرية التعبير، وتدني حائط الصد الاجتماعي فيقول: (لقد أصبحت الكيانات المتعددة داخل المجتمع وخارجه أسهل للاختراق منها لو تشكل لديها رأي قوي وفكر محدد تجاه النظام السياسي الذي تعيش في كنفه، عبر الحوار والنقاش العلمي المقنن الذي من شأنه أن يضع أمام الجمهور العريض إجابات محددة لكل من تدفعه نفسه الطامعة إلى محاولة النيل من وحدة المجتمع وتمسكه بقيادته) ص88 . لقد استطاع الدكتور الحمود أن يضع إصبعه على كثير من المفاصل - إن لم أقل كلها - التي بمجموعها ومن خلال الدراسة والتشريح والفهم تصل بنا إلى بناء حصن الأمن الذي ننشده جميعاً، إذ لا بد أن ينصهر المجتمع كله في بوتقة الانتماء الوطني والقومي لرفع حائط الصد المنشود، وذلك من خلال تحقيق درجة من المساواة إلى جانب العدالة والتوجه الحقيقي إلى التحديث وعلاقتنا مع الآخر. وقد دخلت موضوعات الكتاب بفروعها المختلفة لتنتظم أخيراً في مصب واحد تعمل كل الروافد على جعله مصباً خصباً وثرياً مفتوحاً على الآفاق كلها ليكون هذا المصب وباختصار (حديقة الأمن). وهذه الفروع التي لم تغب عن فطنة الكاتب قد حظيت منه باهتمام لافت من أرض فهمه للمسألة الفهم المدرك، فعندما يتحدث عن إشكاليات مؤسسات المجتمع المدني والتماثل والهيكلية المفقودة ومناهضة الحريات الشخصية ووظيفة الأسرة ودورها، والإدارة ومخاطر الغلو والتقليدية الحادة اللذين أطلق عليهما وصفاً جارحاً (مقصلتا الغلو والتقليدية) والبيروقراطية وضرورة مأسسة الفكر الوطني، والإعلام مهنة المتاعب ومشجب الأزمات الاجتماعية والعلاقة بينه وبين الإرهاب الجسدي والفكري، والسؤال المثير (هل يكون الإعلام في المملكة مجرد إدارة أزمات؟). والتعليم والنشر والبحوث والدراسات العلمية والحركة والمنتج الفكري.. وأخيراً يدخلنا إلى بيت القصيد بعنوان واضح بما يكون هو جوهر المقصود من الكتاب كله (الأمن عندما يكون أولوية) فهو بذلك يلامس بشجاعة وإخلاص مواطن الوجع، ومن خلال هذه الملامسة القاسية في مواطن كثيرة يكتب وصفة العلاج، ويشي لنا بالحلول، وقد يقصد الكاتب الإشارة إليها كلها للدلالة على أنها بمجموعها وعلى قدم المساواة، حبل الإنقاذ، وهي إشارات وعناوين كي يدخل من خلال هذه الإشارات التي قد تبدو سلبية إلى الفعل الإيجابي الواجب سلوكه للخروج من دائرة (اللافعل..). وكعلامة على فهم ما أرمي إليه يقف الكاتب بتقدير بالغ أمام المبهرات من الأمور والأحداث والمواقف التي تستدعي أيضا الإشارة إليها كأنموذج يجب احتذاؤه كما في أمر تعرّضه إلى الجنادرية والتجمع الثقافي الرائع والقيمة والتفاعل التي تنتج عن مثل هكذا مهرجانات، ويستزيد فيقول: (على الجنادرية أن تكون أكثر جرأة في تحقيق وسطية للمنهج في كل شيء) ص131 . ولا يذهب بعيداً في نصف الكأس الفارغ بل يعلن إيمانه بالأمة وقدرتها على خلق ثقافات قادرة على الخروج وتجاوز الأزمات كما كانت عبر تاريخنا كله، ومراكب نجاة تبحر بنا إلى شواطئ الأمن والأمان، ويركز على مسألة الثقافة باعتبارها هوية الشعوب ونور انتمائهم وأصالتهم فيقول: (ربما استطاعت الجنادرية فيما مضى أن تقول كثيراً عن تاريخنا وحاضرنا وتطلعاتنا المستقبلية، ولكنها اليوم يجب ان تبرهن لنا ولغيرنا أننا فعلاً نتغير كما يفعل كل الناس، وأننا عندما نواجه مشكلات مجتمعية قديرون على تجاوزها بنجاح، وكسبها للصالح الوطني الأعلى والأكبر) ص132 . يخلص الكاتب في الفصل الأخير من كتابه إلى مسألة الأمن، ودور المملكة في محاربة الإرهاب، ودور قوات الأمن فهو (يعرض عدداً من مظاهر الاختراق ومواطنها كما تبدو في إطارها الأمني الداخلي للمجتمع). يقول في بداية الفصل: (الأمن في الأوطان نعمة إلهية عظيمة، ولأن من غايات ثقافة الاختراق إشغال الناس بقضيتهم الأمنية، وجعلها تحتل الصدارة في سلم الأولويات، فربما استهداف البنية الأمنية ليس لشيء إلا لينشغل الناس بالقضية الأمنية) ص239 . هنا ندرك الحقيقة الكامنة وراء مجريات ما يحدث من محاولة إرباك الوضع الأمني من خلال العمليات الإرهابية التي تشهدها بين وقت ووقت هنا أو هناك في مدن المملكة، تلك الظاهرة الغريبة عن مجتمعنا والوافدة إلينا لإشغالنا عن قضايانا التنموية التي حرص الكاتب وعبر فصول الكتاب كلها على الإشارة إليها. وتبرز الحقيقة الساطعة، وإيمان الدكتور الحمود الواثق بقدرة هذه الأمة على التجدد وطرق سبل التحديث والتنمية والثبات، والانتصار على كل شائبة تسعى إلى تلويث مجتمعنا الإسلامي، وإرباك برامج التنمية في المملكة. وهو يثمن عالياً أداء قوات الأمن في طريقة معالجتها وتصديها لظاهرة الإرهاب التي أوصلت المرتدين ومن يقف وراءهم إلى نهاية النفق الذي ما بعده غير الفناء لهم والبقاء للأمة.. يقول الدكتور عبدالله: (قد يكون مشروعا أن نطرح تساؤلاً حول الغاية من أعمال العنف والإرهاب التي يراد لها الظهور في مجتمعنا السعودي، وهي ليست غاية بحد ذاته، بل وسيلة لغايات لا يعرف تفاصيلها إلا مريدو الاختراق أنفسهم) ص241 . ويجيب عن هذا السؤال في خاتمة الكتاب: (لعل الإجابة المتكاملة (يعني من قدرة الإرهابيين ومن يقف وراءهم الاختراق) بالنفي المطلق مستقرة في نفوس تلك الكيانات الصائبة، ولعل النجاحات المتكررة والمتتابعة لرجال الأمن في ملاحقة المجرمين وإحباط مخططاتهم دليل واضح على أن الستار الأمني لهذا المجتمع كان ولا يزال وسيبقى بإذن الله حصناً منيعاً ضد أي محاولة يائسة للنيل من الوطن الغالي العزيز على كل نفس أبية؟) ص248 . إنها قراءة وقفزات في حديقة هذا الكتاب، ولن أستطيع في هذه العجالة أن أطرق أبوابه كلها ولا أريد، بل سأترك ذلك لذائقة القارئ، ولا أدعي أنني ناقدة أو محللة ولكنني أعتقد جازمة بأنه كتاب مفيد وقد يكون من أهم الكتب التي تحدثت عن هذا الموضوع بحثاً وتدقيقاً وشجاعة. ولا أبالغ إذا قلت إنه يجب أن يدرّس في كثير من المعاهد المتخصصة، وأن يكون جزءاً من برنامج عمل وطني وإصلاحي وتنويري وتوعوي. شكراً للباحث الدكتور عبدالله بن ناصر الحمود على هذا الجهد المشكور، وأسأله تعالى أن ينير بصره وبصيرته ليزيدنا من بحر علمه، وأن يسدد خطى الجميع للخير والصواب، وأن يحمي مملكتنا وولاتها من كل شر، إنه سميع رحيم مجيب.
الرياض - فاكس 014803452
|