أكثر ما يزعجني في الإيميل أو في الفاكس نوعان من الرسائل الأولى التي تأتي من صغار السن الذين يناصحون ويحاولون أن يعطوني دروساً في الدين والاستقامة وعذاب القبر والحياة الآخرة وأن المرأة جوهرة مكنونة. هؤلاء توقفت عن الرد عليهم والتفاهم معهم، لأن معظمهم مراهقون في سن أبنائي، حاولت عدة مرات نصحهم وتوجيههم إلى فروضهم المدرسية لكني شعرت أن لديهم الإحساس أنهم منذورون لمهمة إصلاح العالم. تزداد وتنقص رسائلهم حسبما أكتب وحسبما يطرح من قضايا اجتماعية وتبلغ رسائلهم ذروتها عندما يكون الموضوع المثار يتعلق بالمرأة. ومن جهة ثانية هناك مجموعة أخرى من صغار السن يبعثون لي برسائل غزل ساخنة، هؤلاء يقرؤون زاويتي على أساس أن الكاتب هو امرأة اسمها (يارا) عبد الله بن بخيت. في كثير من الأحيان استلم رسائل تمدح أسلوبي الرشيق وأناملي الرقيقة التي تمسك بالقلم ورائحة الجمال والعطور. لا أتذكر أن كتبت وفي يدي أي رائحة. فأنا بطبعي لا أحتفي كثيرا بالعطور. في كل مرة تصلني رسالة من هؤلاء أتساءل لماذا يغازلون امرأة تكتب في الجرائد. هل هناك نقص في عدد النساء اللاتي يمكن مغازلتهن، أم أن القصد هو توسيع دائرة النشاط من باب حط الخير على البركة. ينتابني أحساس داخلي أن هناك علاقة وطيدة بين هؤلاء الشباب الذين يدعون إلى عذاب القبر والمرأة جوهرة مصونة وبين هؤلاء الشباب الذين يستدرجون الكاتبة يارا، كيف يمكن أن تكون هناك علاقة بين شباب معبئين بثقافة الموت والحجر على المرأة وبين شباب يركضون وراء النساء دون تمييز؟ لا يمكن أن يخلو الأمر من تلاق فكري أو ثقافي بين الطرفين، فكلاهما تعرض لنفس الحملة الثقافية على مدى السنوات الماضية وتعلم من نفس المناهج. منذ زمن بعيد وأنا أفكر في الأمر، ظاهرياً يبدو الأمر مستحيلا فلا يمكن أن يتلاقى جمعان متعارضان سلوكياً على صعيد فكري واحد. وضعت لنفسي سؤالين منهجيين: ما هو الأساس الذي ينطلق منه هذا الشاب القبوري صاحب (المرأة جوهرة مكنونة) وما هو الأساس الذي ينطلق منه نقيضه ؟ جمعت في الآونة الأخيرة عشرات المقالات والمداخلات والتعليقات التي شاركت في قضية قيادة المرأة السيارة. حاولت أن أقرأ كل الحجج التي يطرحها الطرف المعارض. صنفت الحجج في خانات لتسهل عليَّ قراءتها: حجج أخلاقية وحجج اقتصادية وحجج أخرى ما زالت تتذرع بالدين ولو بالتأويل البعيد. ولكني اكتشفت أن هناك حجة واحدة تشكل الخيط الأساسي الذي (يلضم) حججهم ويوحد بينها، وهي أن المرأة قليلة الحيلة خاوية تحتاج دائما إلى من يأخذ بيدها إلى الخير والأخلاق. تلاحظ دائماً أن حججهم تذهب هنا وهناك ولكنها تؤوب في النهاية إلى خواء المرأة وضعفها وقلة حيلتها. فهي إنسان غير قادر على مواجهة الحياة وحدها، (وما أجمل المرأة.. المرأة التي تحتمي بالرجل ويشعرها الرجل بقوته، ويحرمها من السفر لوحدها ويطلب منها أن تجلس في بيتها تربي أطفالها وتشرف على مملكتها وهو السيد القوي...) فهذا التعبير بين القوسين هو مقطع من مقالة كتبتها امرأة يلخص موقف هؤلاء العام من المرأة، فالمرأة عند هؤلاء لا تختلف عن الأخرى سواء كانت كاتبة أو أستاذة جامعية أو وضيعة تعمل في كابريه، سواء كانت صغيرة في السن أو كبيرة، سواء كانت قوية البنية أو عليلة، هي في النهاية جوهرة مصونة عرضة للسرقة والاعتداء والانحراف. لا تنبع أخلاقها الحميدة من ذاتها وإنما من الرقابة الصارمة التي تفرض عليها، فإذا خرجت عن الرقابة بأي أسلوب أصبحت لقمة سائغة. إذاً الشاب الذي يرى أن المرأة جوهرة مصونة هو الوجه الآخر للشاب الذي لا يتردد حتى عن مغازلة امرأة توجِّه الرأي العام. فكلاهما ينطلق من فكر واحد يقول إن المرأة خاوية لا تملك ذاتها. إذاً هذا الشاب الذي يؤمن أن المرأة جوهرة مصونة هو في الواقع يروِّج للفكر الذي ينتج ذلك الشاب الذي نشاهده في الأسواق وفي الأماكن العامة لا يقيم وزناً لإنسان اسمه المرأة. هذا يريد أن يصونها لأنها قليلة الحيلة وهذا يريد أن يستغلها لأنها قليلة الحيلة نفس السبب، مظهران مختلفان لفكر واحد.
|