إذا كان الخروج الأمريكي من العراق يرتبط بانتصار حاسم على المسلحين، فإن الأمر قد يستغرق الكثير من الوقت بالنظر إلى أنه ليس هناك جماعة محددة يجري ملاحقتها، وإنما هناك كم هائل من المجموعات المسلحة تشمل المقاومة والمليشيات والإرهابيين وحتى قطاع الطرق وبعضاً من شذاذ الآفاق الذين استهوتهم أجواء الانفلات الأمني، ومن ثم فضلوا استثمارها لتحقيق مكاسب إجرامية تشمل السرقات وعمليات احتجاز الرهائن للحصول على أموال وغير ذلك. وعلى الرغم من أن الحديث أصبح يتردد بشدة في الولايات المتحدة بضرورة إيجاد مخرج لهذا الجيش الجرار المتورط في المستنقع العراقي إلا أن الرسميين الأمريكيين يستبعدون الانسحاب في الوقت الراهن، مشيرين ضمنا إلى أهمية تحقيق انتصار يبرر الخروج، ومتمسكين بالقول إن الخروج يعني التسليم بالهزيمة. وقد تجاوزت موجة التبرم مجرد الشارع الأمريكي والتصريحات العاطفية للأسر التي تتحدث عن فتية يتم ملاحقتهم بالوعود المعسولة في المدارس الثانوية، ومن ثم الزج بهم في أتون حرب لا يعرفون عنها شيئا، وبدا أن الضيق مما يحدث قد وصل إلى دوائر القرار الأمريكي. وفي ظل ظروف بالغة الصعوبة يواجهها الجنود الأمريكيون مع تزايد الخسائر في الأرواح، فقد دعا نائب أمريكي إلى تحديد جدول زمني للانسحاب ربما للدفع ببعض الأمل إلى النفوس في الداخل الأمريكي وبين أولئك الموجودين في العراق.. لكن البيت الأبيض رد بحزم رافضا الاقتراح. وقد حذر عضو آخر بارز في الكونجرس الأمريكي الأسبوع المنصرم من أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها مضطرة لاعتماد التجنيد الإجباري لتفادي النقص في عديد الجيش، مشيرا إلى تقرير للبنتاجون عن أن الجيش لقي صعوبات في جذب مجندين في الأشهر الأربعة الأخيرة. فالذي يجري في العراق بات يشبه ما جرى في النصف الثاني من القرن الماضي في فيتنام التي شهدت واحدة من أفظع قصص التورط العسكري الأمريكي فيما وراء البحار، ويومها نشأت حركة مدنية واسعة ضد الحرب ما زالت تأثيراتها باقية حتى اليوم، وسرعان ما تظهر بكامل زخمها كلما تكررت مشاهد مشابهة لتلك الفترة من التاريخ الأمريكي. ويبدو أن الغليان الحالي في الشارع الأمريكي هو مقدمة لانفجار شعبي آخر على غرار فيتنام.
|