مع مرور عشرين عاماً على تخرجي من كلية الطب ما أزال أذكر جميع أساتذتي بكل خير وشكر وامتنان. ولكل منهم عندي ذكريات جميلة تملأ قلبي بالحنين إلى تلك الأيام التي باعدت بيني وبينها السنون.. من هؤلاء الأساتذة فريق تخرج من فرنسا وآخر من بريطانيا، وللطب في كل بلد مدارسه وخصائصه التي تختلف اختلافاً قليلاً أو كثيراً من بلد إلى آخر. أولئك الأساتذة الذين تخرجوا من فرنسا مثلاً يعيشون في أبراج عاجية عالية إذا مشوا (فيا أرض اشتدي ما أحد مثلي)، وإذا تكلموا فليصمت الجميع ولينصت السامعون.. وحتى غير السامعين. ولا أدري إن كانت هذه هي صفات الأساتذة في فرنسا، أو أنها مزيج جمع بين الشخصية العربية والدراسة الفرنسية (ولا يفوتني أن أشير إلى أنني أتكلم عن بعض الأساتذة وليس جميعهم ). أحد هؤلاء الأساتذة كان مثالياً جداً، لم يغب يوماً واحداً. كان يحضر في موعد المحاضرة تماماً. إن بكّر أو تأخر فدقيقة أو جزءاً منها، ونادراً ما كان يبكّر أو يتأخر. كنت تستطيع أن تسمع صوت وقوع الإبرة على الأرض لولا أن كل حواسك متوجهة نحو هذا الأستاذ. كانت تسبقه قصص الرعب عنه وعن شدته ساعة الامتحان. وعن جبروته تجاه الطالب المقصر أو المهمل.. وكانت المشاركة الوحيدة المطلوبة من الطلاب في درسه هي الإصغاء أولاً والصمت ثانياً أو العكس. أما أن تسأله سؤالا تستفسر منه عن شيء ما فذلك أمر لم يُسمح به من قبل ولا من بعد. كنت أجلس في درسه خائفاً مرتجفاً. وإذا ما طلب مني القيام بفحص مريض ما وضعت السماعة بيدٍ مرتجفة على صدر المريض أحاول أن أصغي إلى دقات قلبه وكلي خوف وهلع. ولو سألني الأستاذ بلهجة المنتصر هل سمعت؟ كان جوابي الابتسامة وهز الرأس، مؤكداً أني قد سمعت والله أعلم ماذا سمعت!!.. ولكن حتى طالب الطب يرضى أحياناً من الغنيمة بالإياب. هذا نوع من الأساتذة الذي ضرب مثلاً في (الفَرْنَسَة) لم يسبقه فيه أحد. اللهم إلا الفرنسيين أنفسهم. وهناك نوع آخر من الأساتذة تخرّج من بريطانيا العظمى وهؤلاء أيضاً لهم طقوسهم وعاداتهم ومدارسهم، فإن صادفك أحدهم في ممرات الكلية وأخطأت وألقيت السلام عليه (فيا ويلك ويا ظلام ليلك). لقد ارتكبت جناية بالغة بحق الأستاذ لا تُغتفر ولن يفك جرمك هذا حتى ولا محكمة العدل الدولية. لقد تحولت تعابير وجه الأستاذ فوراً من الجمود إلى العبوس (ووجه الأستاذ أصلاً لا يعرف إلا هذين التعبيرين). وحتى لا اُتهم بالمبالغة أذكر أن أحد الزملاء رأى مرة شبه ابتسامة ترتسم على شفة ذاك الأستاذ. لقد سنحتْ لي الفرصة منذ حوالي خمسة أعوام للسفر إلى أمريكا للقيام بتدريب سريري في مجال زراعة الشعر عند البروفيسور (داو ستاو) وهو من ألمع أطباء الجراحة الجلدية وزراعة الشعر في أمريكا كلها. أذكر أنني وصلت الفندق في الساعة الرابعة من عصر يوم أحد وهو يوم عطلة عندهم.. بعد ساعة من وصولي أخبرني موظف الاستقبال أن البروفيسور نفسه ينتظرني في الصالة ليأخذني معه في رحلة صيد بقاربه الخاص وتناول الطعام على ضفاف البحيرة القريبة من هناك. نزلت إلى بهو الفندق.. كان رجلاً وسيماً مبتسماً جداً يلبس مَلابس بسيطة، وناداني مباشرة (هاي محمد) ثم طلب مني أن أناديه باسمه الأول (داو) من قبيل رفع الكلفة والتبسيط، وبعد الانتهاء من الرحلة اصطحبني معه إلى منزله وأخذ يعرفني على عائلته فرداً فرداً. لقد كان تعامله معي تعامل أخٍ لأخيه ولم أشعر يوماً واحداً أنني أجلس مع أستاذ مخيف. بل كان في كامل الوداعة واللطافة. وفي يوم الوداع دعاني إلى مكتبه ليشكرني بلطف وصدق على عملي وجدّي أثناء التدريب. ثم مد يده وقدّم إليّ هديةً ملفوفةً بورق الهدايا. وقال لي: إن هذه الهدية المتواضعة هي ذكرى أيام عملك معنا. وهي قطعة من الكريستال الخام المستخرجة من أرض مدينتنا (HOT SPRING)، ونحن نفتخر أن نهديك إياها. ثم أتبع بشهادة المنشأ لتلك القطعة موقعة منه ومن جميع أفراد الطاقم الطبي المرافق له. وضعتها في حقيبتي ولما وصلت منزلي أخذها أولادي فلعبوا بها ورموها على الأرض مرات ومرات دون أن تكسر أو تخدش أو ينقص من لمعانها وبريقها شيء. وحتى اليوم ومع مضي خمسة أعوام على تلقي تلك الهدية ما زلت أحتفظ بها وأضعها في مكان بارز جداً في منزلي. وقد بقيت على حالها دون تبدل أو تغير. لم يصبها أي تحطم أو تصدعٍ أو كمد. ولكن حتى لو أصابها شيء من ذلك فسوف تظل في نظري وكأنها ما تزال جديدة. فهي أولاً وأخيراً رمز لأمور لا يمكن أن يصيبها الكسر أبداً.
|