Sunday 19th June,200511952العددالأحد 12 ,جمادى الاولى 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "وَرّاق الجزيرة"

الإعلام الخارجي في عهد الملك عبدالعزيز 1319هـ - 1373هـ 1902 - 1953مالإعلام الخارجي في عهد الملك عبدالعزيز 1319هـ - 1373هـ 1902 - 1953م
قراءة:حنان بنت عبدالعزيز آل سيف:

اهتم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عليه رحمة الله وغفرانه بعد استقرار أوضاع بلاده الأمنية والسياسية بوسائل الإعلام المتعددة من صحافة وطباعة وإذاعة، كما أولى اهتماماً خاصاً، وعناية كبيرة بالكتاب على اعتباره وسيلة من وسائل نشر وبث الوعي الثقافي، وكان اهتمامه منصباً بشكل كبير على الكتاب الديني وذلك من أجل توسيع الثقافة الإسلامية الصحيحة والسليمة من الشوائب والانحرافات البدعية والعقدية والدينية والفكرية التي عمت وهيمنت وطمت على كثير من فكر بلاد العالم الإسلامي آنذاك، فحرص كل الحرص على تصفية عقيدة بلاده من كل فكر خاطئ، ومعتقد دخيل، وكان هذا الأمر نابعاً من فطرته الإسلامية الخالصة، وعبقريته الذهنية النابغة، وقريحته الوقادة الناصعة، فلله دره.


عّبادُ ليل إذا جنَّ الظلامُ بهم
كم عابدٍ دمعُهُ في الخدِّ مجراهُ
وأُسدُ غابٍ إذا نادى الجهادُ بهم
هبُّوا إلى الموت يستجدون رُؤياهُ
ياربِّ فابعث لنا من مثلهم نفراً
يشيّدون لنا مجداً أضعناه

وبين يديّ كتاب بديع، من كاتب رفيع، طرحه متين، وأسلوبه مبين، وهو الدكتور الفاضل (عبدالرحمن الشبيلي) وعنوانه أسلفته لك أيها القارئ الكريم، والكتاب جادت به الأيادي البيضاء لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، لعام (1423هـ - 2002م) وأصل الكتاب محاضرة أُلقيت بالمركز بالميمون الطالع، وذلك بالتاريخ التالي (12-10-1423هـ).
وموضوع الكتاب وفحواه ومضمونه يتضح في قول مؤلف الكتاب - حفظه الله تعالى - (إن حكم الملك عبدالعزيز قد دام ثلاثة وخمسين عاماً، قضى نصفها الأول سلطاناً لنجد، دون أن تكون لديه صحيفة أو مطبعة أو نحوهما من وسائل الإعلام، لكن الإطار الزمني لهذه المحاضرة يشمل كل عهده - رحمه الله- علماً بأن المحاضرة تقتصر على إيراد نماذج فقط لما يدخل في عرف الإعلام الخارجي دون التطرق إلى وسائل تغلب فيها خدمة الإعلام الداخلي على خدمة الخارج كالإذاعة السعودية والصحافة المحلية).
ويتعجب الباحث من تاريخ الملك عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله تعالى - وشمول معارفه، وموسوعيته العلمية، وتعدديته البحثية فيقول: (تاريخ الملك عبدالعزيز تاريخ عجيب، فحيثما ظن الباحث في موضوع جديد أنه لن يجد من العناصر ما يجسد موضوعه، ومن المراجع ما يخدم غرضه، إذا به يفاجأ بعد البحث والسؤال والمراجعة والاستقصاء، أنه أمام كم من المعلومات والتفعيلات التي تدعو للعجب في حصولها وفي تدوينها وفي كيفية حدوثها في ذلك الزمن.
ويزداد العجب عندما ينتقل البحث من موضوع عام إلى موضوع فرعي منبثق عنه، فيجد الباحث فيه ما يوفي بحثه ويشبع رغبته وحاجته.
فقبل أربعة أعوام، كان مجرد البحث في تاريخ الإعلام في عهد الملك عبدالعزيز يمثل مغامرة التزم بها المحاضر أمام المئوية، أما اليوم، فإن الكتابة في فرع منه - وهو الإعلام الخارجي في زمن الملك عبدالعزيز - هو نزهة ممتعة للتجول فيما تم كشفه، فلقد ساعد الاحتفال بالذكرى المئوية في تحريك الساكن من الهمم، واكتشاف الخافي من الوثائق والصور، وجلاء الغامض من المعلومات).
هذا واهتم الكتاب بنوعين من أرباب الإعلام الصحفي:
الأول: فئة من الصحفيين السعوديين يقيمون خارج الحدود السعودية أي في المهجر، سواء أكانوا في مصر أو العراق أو الهند أو تركيا أو دول الخليج العربي، والجامع بينهم أنهم ينتمون إلى أسر حجازية أو نجدية أو أحسائية، ومع ذلك لم تمنعهم إقامتهم خارج بلادهم تتبع أخبارها والاهتمام بشئونها السياسية والقومية والوطنية، وبرزت منهم أسماء لامعة، ولها تاريخ صحفي وطني مشرق وضاء ومنهم:
- سليمان بن صالح الدخيل وهو أشهرهم حيث أسس باسم الرياض في بغداد مطبعة وجريدة بشكل أسبوعي، وله مشاركات مقالية تحت اسم (النجديات) نشرها في مجلة (لغة العرب) العراقية.
- عبداللطيف ثنيان، أصدر جريدة (الرقيب) البغدادية، ولا علاقة لجريدته هذه بجريدة (الرقيب) العثمانية التي صدرت في المدينة المنورة في العام نفسه.
- خالد الفرج، الذي زاول مهنة الطباعة والنشر في الهند.
- فؤاد شاكر، الذي قام بإصدار مجلة (الحرم) في القاهرة، وتبنت على عاتقها رسالة هادفة سامية وهي أن تكون صوتاً للبعثات التعليمية السعودية في القطر المصري.
الثاني: فئة من الصحفيين العرب والأجانب الذين يقيمون داخل بلادنا الحبيبة: وهم شخصيات سياسية واستشراقية استوطنت المملكة وعملت فيها وحصلت مقابل مجهودها وجهدها وعزمها على الجنسية، وصارت هذه الفئة من مستشاري الملك عبدالعزيز، مع العلم بأن أساس قدومها للبلاد كان بهدف ممارسة الصحافة ومنهم:
- الشيخ يوسف ياسين، وهو شخصية سياسية سورية، عمل محرراً لجريدة (الصباح) المقدسية الفلسطينية، قبل أن يعين كمستشار للملك عبدالعزيز - طيب الله أثره - وثراه، وخبرته وخلفيته الصحفية أهلته لرئاسة تحرير الصحيفة الرسمية في البلاد وهي (أم القرى) كما كلفه الملك عبدالعزيز بإدارة مديرية المطبوعات عند إنشائها.
- الحاج عبدالله فيلبي، فيقول عنه المؤلف - سلمه الله -: (كان رئيساً لقسم الصحافة في دائرة التحقيقات الجنائية في ولاية البنجاب، ثم رأس تحرير جريدة (بصرة تايمز) في العراق، كما أصدر جريدة في بغداد يؤازره في تحريرها الصحفي العراقي الشهير الأب أنستاس الكرملي، وكان يزود الصحف البريطانية والهندية ووكالة رويترز بالأخبار، وعندما نشرت جريدة (أم القرى) خبر وصوله إلى الحجاز في بداية إقامته الدائمة في المملكة أشارت إليه بوصفه صحفياً يغطي الأحداث).
وليسمح لي مؤلف الكتاب الفاضل بوقفة قصيرة عند الرحالة المبدع الحاج عبدالله فيلبي - عليه رحمة الله - فهو رجل حباه خالقه بمواهب متعددة، وله تميز واضح في كتاباته عن تاريخ المملكة العربية السعودية أرضاً ومجتمعاً، يقول الدكتور الفاضل (عبدالله الصالح العثيمين) - حفظه الله تعالى - في ترجمته لكتاب (سانت فيلبي) والمعنون له بالعنوان التالي (بعثة إلى نجد): (هو هادي سانت جون بريجر فيليبي ويدعي اختصاراً جاك، أو إن شئت فقل: الحاج عبدالله فيلبي، وقد كان يطمع منذ ريعان الشباب في العظمة والشهرة، وكان ذا مواهب متعددة، وقدرات عجيبة في مجالات عدة كالإدارة السياسة والتاريخ وفن الرحلات، والآثار وعلوم الطبيعة والاقتصاد والمال، وكان يتقن كثيراً من اللغات القديمة والحديثة).
وفي تميز كتاباته عن تاريخ بلادنا الحبيبة يقول مترجم الكتاب في موضع آخر: (وللمرء أن يقول بدون تحفظ إنه فاق غيره في هذا الميدان، غزارةً إنتاجيةً، وتنوعاً موضوعياً، ولعل تقريره الذي كتبه عن البعثة التي رأسها إلى نجد فيما بين:1336-1337هـ - 1917-1918م أول كتابة يدونها عن الملك عبدالعزيز والبلاد السعودية، ولكونها كذلك لها أهميتها إيجاباً وسلباً، فبعض المعلومات التي وردت فيها مفيدة، وبعض الآراء التي اشتملت عليها تحتاج إلى تقويم).
- المستشرق النمساوي محمد أسد يصفه المؤلف باحترافه مهنة الصحافة، وراسل صحفاً ألمانية وسويسرية، وله كتاب مشهور اسمه (الطريق إلى مكة) والمعروف أنه استوطن المدينة المنورة مدة تزيد على خمس سنوات، كما أنه كان مصوراً جيداً للأماكن التي يقع عليها ناظراه أثناء تجواله وترحاله.
هذا وقد تناول الباحث موضوعاً مهماً وهو مبحث يهتم بالكتب الإعلامية والتوثيقية والجميل في الموضوع أن هذه المطبوعات ألفت بدون دعم حكومي، ومن منظور موضوعي توثيقي، ويمكن بحسب طبيعة هذه المؤلفات أن تقسم إلى أربعة أنواع وهي التالية:
أولاً: نوع تغلب عليه الصبغة الإعلامية البحتة ومنه على سبيل المثال كتاب: دليل المملكة العربية السعودية لفؤاد شاكر (القاهرة 1367ه - 1948م).
ثانياً: نوع تغلب عليه الصفة الانطباعية الصحفية، ومثاله كتاب: رحلتي إلى الحجاز - 1353هـ لمحيي الدين رضا (مطبعة المنار، القاهرة 1354هـ - 1935م).
ثالثاً: نوع يتسم بالتوثيق، ومن ذلك كتاب: الذكرى العربية الذهبية لفيلبي (صدرت ترجمته العربية من مطبعة الاعتماد بالقاهرة 1372هـ - 1953م).
رابعاً: نوع له طبيعة إرشادية تنبهية مثل أدلة الحج، وهي صادرة من مديرية الدعاية للحج في وزارة المالية.
ويعتبر موضوع التصوير الفوتوغرافي والسينمائي من الأهمية بمكان في خدمة الإعلام الخارجي في عهد الملك عبدالعزيز الميمون الطالع.
(بداية، تثبت كتب الرحالة والمؤرخين المستشرقين أن التصوير الفوتوغرافي كان موجوداً في الحجاز منذ الحكم العثماني، إلا أنه لم يوظف وبشكل منظم لأغراض الإعلام الخارجي، أو لخدمة الصحافة المحلية، إلا في وقت متأخر جداً، أما بالنسبة لاستخدامات الأفلام الإعلامية، فيبدو أن فكرتها قد راودت الذهن منذ أن توسعت العلاقات السياسية للدولة السعودية الجديدة بعد توحيد معظم أجزاء المملكة (1344هـ - 1925م) فقد نشرت جريدة (الفتح) المصرية في عددها رقم (247) الصادر بتاريخ 28-11-1349هـ (1930م) خبراً منقولاً عن صحيفة (المورننغ بوست) الإنجليزية عن صنع فيلم سينمائي للدعاية للملك عبدالعزيز، لكنها نشرت في العدد ذاته تكذيباً صادراً عن الممثلية السعودية في القاهرة.
وتضمنت الوثائق البريطانية لعام 1934م خبراً عن تمكن اثنين من الهنود من تصوير لقطات سينمائية للحج عرضت في ذلك العام في بريطانيا.
لكن أهم ما تم في هذا المجال هو الفيلم التسجيلي الذي أنتجه بنك مصر بواسطة شركة مصر للتمثيل والسينما لتوثيق حج عام 1357هـ (1938م) بتسهيلات من الحكومة السعودية وهو فيلم بعنوان (بلادنا المقدسة) يضم مشاهد كاملة عن الحج وخطاباً بالصورة للملك عبدالعزيز موجهاً إلى المسلمين، لا يزال يعد الفريد من نوعه في هذا المجال.
وبعد عدة أعوام (1949م) حاول مخرج بريطاني (لعله من أصل إيطالي) يسمى (كوهار سكي) أن يصور فيلماً روائياً عن حياة الملك عبدالعزيز، وقد قابل الملك في الرياض لهذه المهمة، لكن طلبه لم يحقق لأن فكرة القصة امتزجت بالخيال.
أما على صعيد تصوير الأخبار على أفلام سينمائية فقد أحصى المحاضر ما لا يقل عن عشرين خبراً قصيراً وعدة تسجيلات توثيقية لزيارتي الملك عبدالعزيز التاريخيتين إلى مصر، الأولى لمقابلة روزفلت وتشرشل (ربيع الأول 1364هـ - فبراير 1945م) والثانية رداً على زيارة الملك فاروق (صفر 1365هـ - يناير 1946م) وأخيراً:
يُعد الكتاب شاهداً على مرحلة مهمة من مراحل تاريخ بلادنا الحبيبة وهي مرحلة الإعلام الخارجي في عهد الملك عبدالعزيز - رحمه الله تعالى -، وله أهمية خاصة في إثراء الحياة الفكرية، وتوفير الحقائق العلمية الموثقة لأبناء هذا الوطن المعطاء.
وهو شاهد عدل أيضاً على اهتمام الملك عبدالعزيز بالتيار الإعلامي الثقافي الفكري ودليل على توجهاته الفكرية الخلاقة في سبيل تأسيس إعلام واعٍ ناضج.
ومنهج الكتاب منهج أصيل فيه إخلاص وتفانٍ وبوح ورشد لهذا الوطن الذي تيم أبناءه بحبه، وغرقهم بكرمه وفضله، وحباهم بنعمه الوارفة، وخيراته الدائمة، وكنوزه الناصعة، حيث تم رصد هذه الظاهرة الإعلامية ببراعة وإبداع وتألق وتوثيق لحقبة من تاريخنا الإعلامي الخارجي المشع الوضاء النير، علماً بأن هذا التوثيق تغلب عليه الصبغة العلمية الجادة، واللبسة البحثية المتجددة.
ومن يطلع على لب الكتاب وفحواه ومضمونه يجد فيه ما يثري المعرفة، ويغني العقل، ويطرب الوجدان، ويثلج الصدر ولا سيما في هذا الميدان الهام والمهم من ميادين التطلع والانتشار والظهور والبروز للعالم الخارجي، ثم إن الكتاب منهل لطلاب الإعلام ليغرفون من علومه، وينهلون من مشاربه، ويتفيئون ظلاله خاصة أن الأفكار التي يقدمها الكتاب عن ظاهرة الإعلام الخارجي في عهد المغفور له - إن شاء الله تعالى - الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود هي إيجابية هادفية تتسم بالموسوعية والشمولية والعمق والنضج.
فلله درُ مؤلفه الدكتور القدير عبدالرحمن الشبيلي - رعاه الله - ولا يزال قلمه بالبحث الإعلامي ثراً متدفقاً جيّاشاً.
عنوان المراسلة:ص.ب (54753) الرياض (11524)

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved