أشعر بالغثيان ولا أدري هل ذلك بتأثير فترة الوحم في الشهور الأولى للحمل أو بتأثير الحر الشديد في حجرات شقتي الضيقة التي بالكاد تعمل مكيفاتها التي مضى عليها أكثر من عشرين عاما دون تجديد أو صيانة أو أنه يعود للصداع النصفي الذي يلم بي مطلع كل شهر، وراتب عملي ما ان يظهر على شاشة الصراف الآلي حتى يمحى كهلال يلاحقه محاق فيما يذهب لتسديد الأقساط الشهرية والفواتير وغيرها من الالتزامات المالية الصغيرة التي أدفعها أمامي كحمل لا ينتهي من شهر لآخر. هكذا قالت احدى السيدات من خلف نقابها الذي لا يبين منه إلا التماعات عينيها بما يشبه التماعات السراب أو الدمع بينما نحن مجموعة من النساء في قاعة الانتظار بإحدى العيادات الطبية. وكنتُ أنا نفسي أشعر بالحموضة وارتفاع الضغط وقد كنتُ أتابع من الجريدة التي تكاد تحجب وجهي، أخبار تنقلات السيدة كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في عدد من العواصم العربية وهي تبيع وتشري الوعود والأحلام في الإصلاح وتبادل المصالح على الحكومات والمعارضة في آن واحد. إلا أنه فيما بقيت أعالج آلامي في داخلي بصمت، لاحظت تحولا ما حولي في ساحة من الكلام الذي كنتُ قد خلته غير مباح على الأقل في الفضاء العام وإن كان الفضاء العام (مجازا) بحكم أنه يجري بين مجموعة ليس بينها معرفة من قبل وإن كان كلهن نساء. وقد كنتُ سأبقي على اعتقادي المسبق بأن تلك الشكوى للمرأة الحامل تعبير نادر في عادات مجتمعنا السعودي الذي عادة ما يتسم بالتحفظ والتكتم على أسراره الأسرية والاجتماعية الصغيرة أو الكبيرة إلى أن يتحول الجرح الصغير إلى حالة من القرحة المبرحة المزمنة لولا أن سيدة أخرى، ثم أخرى وتبعتهما أخريات وكأن عدوى سرت بين النساء فأخذت كل منهن تحكي أشجانها وتكشف عن اللوعات اليومية والقلق الليلي الذي يؤرقها أو أفراد أسرتها حتى كدتُ أن أقوم عن مكاني لأتأكد ما إذا كنتُ في قاعة انتظار لعيادة تختص بالنساء والولادة أم في عيادة نفسية أو ربما في جلسة برلمانية مصغرة تختص بطرح بعض الاشكاليات الاجتماعية مما تعتلج همومه في الصدور. إذ انبرت سيدة خمنتُ أنها في منتصف الخمسينات من أسلوب حديثها فقد كانت هي الأخرى تغطي وجهها ولا تكتفي بالنقاب بالرغم من أننا في قاعة انتظار خاصة بالسيدات وأخذت تقول (والله إن المر القاطع (سبدي) / كبدي) هو من هالشباب اللي تعبنا عليهم وشحينا عن أنفسنا وقت الله الله وأعطيناهم علشان يدرسون ويتوظفون لينفعوا أنفسهم وينفعونا في كبرنا، ومساكين ما جاهم وجانا من سنين الشقا إلا أننا نشوفهم متبطحين، نيام إلى ما بعد العصر في المكيفات، بعد ماملوا من التطامر بهالعلاقي الأخضر يتطررون الوظيفة). أما تلك الصبية التي ربما كانت مقبلة للتو على العشرينات وقد كانت محتشمة بلف الحجاب على رأسها فلا يبين إلا وجهها الخالي من الأصباغ فإن عنفوان عمرها لم يمنعها أن تكشف عن لواعجها في الخوف من ألا تحصل على مقعد في الجامعة لتجيبها أخرى ربما سبقتها عمريا في مضمار مرارات بعض تجارب التحديات الاجتماعية: وما جدوى الشهادة إذا كانت لن تجر عليها إلا أن نقبع في البيت في انتظار وظيفة قد لا تأتي بعد عناء أربع سنوات. بينما أخرى كانت قريبة من الفئة العمرية لهاتين الأخريين وإن كانت هي الأخرى تتلفع بغطاء الوجه في حضرة النساء مع النساء تداخلت في الحديث قائلة و(الله بعد (العلة) إللي ما نقدر نخليها تتعدى حلوقنا إلا ويدكنا عرق الحياء) هي هالبنات (المزبرين) في البيوت ما حد يدري عنهن والعمر يمضي وما تدرين إلا وعلى قول القايل فاتك قطار الزواج). كان هناك بوح أيضا عن بعض المواعيد مع المختصين من الأطباء، عن ندرة الدواء في غير الصيدليات التجارية، عن استمرار (عطال) بعض الأجهزة الحيوية للفحص الطبي كآلة المموجرام للصدر أو الأشعة الصوتية بالأشهر، كان هناك حديث ذو شجون عن (الشغالات والسواويق) وكان هناك (تشره) متعددة الأنواع على الأجهزة الحكومية وعدم تعميم خدمات بعض قطاعاتها على النساء، (تشره) على الأزواج وعلى الأبناء والأخوة والآباء عندما لا ينصف بعضهم القريبات أو لا يراعون الميثاق الغليظ الذي أخذه الله عليهم في حسن العشرة بين الرجال والنساء. بل وكان هناك عتب على النساء من النساء، خصوصا مديرات المدارس ومن في حكمهن عندما لا يصبح همهن إلا المحافظة على الكرسي وليس تمثيل مصالح الطالبات والمعلمات. قد تظنونه حديثا مختلقاً أو متخيلاً ولكن معاذ الله أن يكون حرف واحد مما جاء فيه محض اختلاق. وإذا كان ليس من عادتي في الكتابة أن أخوض في أحاديث المجالس فقد شعرتُ بواجب وبمتعة في استعادة هذا الحديث لأنه ببساطة لم يكن بأي شكل من الأشكال يأخذ شكل (النميمة) أو (التشفي) أو (الاستعراض) بقدر ما شعرت أنه يعبر عن نبض الشارع إذا صح التعبير في ذلك المجال الملتبس الذي صارت تقيم فيه النساء ممن لم يعد حضورهن قصرا على المجال البيتي دون أن ينتزعن حضورا معترفا به وتوجد فيه فسحة لسماع أصواتهن في المجال العام. وكنت طوال الحديث الذي اكتفيت من المشاركة فيه بعملية الإصغاء أشعرُ كأنني في هودج يوغل في صحراء لم تعبد بعد ولم تعد صحراء. تذكرتُ (نساء على أجنحة الحلم) في مذكرات طفولة الباحثة الاجتماعية فاطمة مرنيسي عن المجتمع النسوي بالمغرب، تذكرت مريم الحكايا للروائية اللبنانية علوية صبح، تذكرتُ موقفا مشابها في قصة لمحمد علوان لنساء كن يستشفين من الأمراض الاجتماعية برقية تبادل الحديث مع نساء أخريات. تذكرت عدداً من الأعمال الأدبية والبحثية التي حاول فيها عدد من الكاتبات والباحثات وبعض من الكتاب إعادة الاعتبار (لكلام النساء) بنزع تلك النظرة الاستخفافية التي طالما أشيعت عنه وإعادة فحصه باعتباره تعبيرا عن المقنع من الاشواق المشروعة في التطلع لمستقبل يخلو من التعالي بحكم النوع أو لا يتورع عن إقصاء النساء عن المجرى العام للحياة العامة باسم الخوف على النساء أو الخوف منهن. إلا أنني في طريقي إلى العيادة عندما نادت الممرضة على اسمي لم أستطع إلا أن أسأل نفسي هل كان سر البوح أننا كنا مجموعة من النساء المتلفعات بالسواد فأعطي الإحساس بأن الحديث حديث عابر بين غرباء يخلو من التبعية نوع من حرية الإفضاء أو أن الأمر كان عكس ذلك فكان هناك نوع من المشاركة الوجدانية خلقته وحدة الهوية وتشابه الشجون. هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.
|