حملة شعواء جاءت كالعاصفة ؛ جاءت بكثير من الأناقة التي تدخل بمداخل تذهل؛ اغتر بها كثير؛ ولم يعرف الأكثر مكامن الخطر الذي سوف تخلفه؛ لكن هل هي رياح اللقاح التي تلقح الأشجار في مواسم النوارة المبهجة؛ أم هي ريح صرصر عاتية سوف تقتلع الجذور القوية أو ترخيها لتموت الأشجار واقفة؟ تماماً كما تقتل الدودة الحمراء أشجار الرمز الأبدي للحياة؛ لا أتفاءل بخير؛ كما أني لا أتمنى الشر أن يحدث. تشكيك في كل شيء؛ حتى إنه لو قيل لأحدنا هذه الأيام: هل رأسك عليك لبدأ يتحسسه من كثرة مغالبة الهاجس الموغل في الداخل والقادم بعنف كنعاس إلى جفن مسهّد جداً. ماتت المروءة إلا نادراً وانتحر الكرم الذي عرفنا به أمام بوابات البنوك وفي حانات الهلع على الدينار والدرهم؛ زادت بجاحة المراهقين، واستلب من عيونهم وخدودهم عرق الخجل واحترام كبير السن، طالت ألسن كانت خرساء واحتلت الصدارة؛ وتبوأت عيون مستديرة مناصب الجلوس وكراسي التنفيذ؛ وكانت من ذي قبل من سقط المتاع؛ ازداد عناد المعاندين دون خجل أو تفكير في عاقبة لأمر ما؛ وصمت أهل الحكمة على مضض لأن الضوضائيين هم الناطقون. بدأ التمرد الاجتماعي حتى في القرى التي تمثل شهامة العرب وعروبة الرجال الأنقياء؛ وهنا بدأت الكارثة في مجتمع كان أمة واحدة؛ فتفرقت الأسر إلى أشخاص؛ وهذا يسهل كسر البعد القوي لأمة متكاملة. مَن المسؤول عن هذا الطيش الفكري؛ والممارسة التي كلها هوس لا مبرر له؛ ولم يكن معهوداً في مجتمع كان ذا أخلاقيات عالية؛ فبدأت تتصدع؟ لم نكن نسمع عن شيء اسمه الإدمان ولا المخدرات؛ وشيئاً فشيئاً سمعنا وشاهدنا؛ ولم نكن في يوم ما نتوقع أن تنتشر أماكن للدعارة والسحر والشعوذة على أرض طاهرة؛ فجاء ما كنا نعتبره من السلوك والممارسة وصار ملموساً بكثير من الحيرة التي لا نجد لها أي تفسير غير (المادة) وهي التي تجعل من صاحبها عبداً لها لا أن تكون في خدمته؛ وبدلاً من أن يرتفع المجتمع إلى السمو والانعتاق من درن الحياة، فقد انغمس جله في ذلك الدرن؛ فصار الشاب أو الشابة يتكورون سماجة وبعداً عن أخلاقيات الذين صنعوا أمة ووطناً وحياة مستقرة. فما هو السبب في تردي المجتمع الذي صار خليطاً من الخير والشر؛ لكن الشر الذي كان يجيء خجولاً صار يجيء بكل وضوح وعدم خوف أو حياء؟ هل نحن السبب أم أن هناك من أراد لنا أن نكون نعاجاً ضمن النعاج التي تقاد إلى المجزرة وهي تأكل البرسيم الذي تبقى بقاياه تحت ألسنتها قبل أن يمر السكين على رقابها وينضح الدم؟ ومن الذي أراد لنا هذا الدرب الذي يمكن أن ننحرف عنه إلى الدرب الصحيح؟ وهل لنا دور في ذلك كمجتمع (كان) آمناً مطمئناً صادقاً متحاباً متصافياً؟ أسئلة كثيرة تنبئ عن خيبة المستقبل لأمة بدأت تتهاون في كثير من أخلاقياتها التي كانت مضرب المثل؛ والتي كان العرب القادمون إلينا يتمنون أن يتربى أبناؤهم وبناتهم في مجتمعنا عليها. نحن السبب الواضح والخفي؛ فإذا قال قائل: هذا نهج التاريخ الذي يتجدد فلا بد أن ننال منه كأس التجديد؛ أما حينما تحوّل كل منا إلى أن يكون هاجسه ذاته وكيف يحصل على أكثر من غيره؛ جاءت تلك الخيبة من الشر؛ فلعل الله يفرج تلك الغمة؛ وأن نكون نحن نعم الأمة؛ أما أن نتمنى دون أن نقف صفاً واحداً في خدمة الوطن وأهله؛ فتلك أضغاث أحلام فقط؛ سيعقبها نوم أهل الكهف...
فاكس 2372911 |