عاش بينهم مؤكدا لهم بشريته بالقول والفعل حتى لا يشتطوا في نظرتهم إليه، لا يميزه عنهم في بشريته إلا أنه يوحى إليه، وقد قدر ربه هذه الحقيقة بقوله له: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (6) سورة فصلت وهو في غير ما يأتيه فيه خبر السماء قد ينخدع بظاهر الحجة أو ظاهر الكلام سرق طعمة بن ابيرق درعا من جار له، ووضعه في جراب دقيق، فأحدث الدرع خرقا في الجراب، وانتثر الدقيق على طول الطريق إلى بيت اليهودي، زيد بن السمين، الذي خبأ عنده الدرع والتمس المسلمون الدرع فأنكر السارق فاستدلوا بأثر الدقيق إلى بيت اليهودي، فقال اليهودي: إنها لطعمة، فأنكر بنو ظفر قبيلة طعمة ذلك، وكاد أن يدافع عنهم ويصدقهم ويوقع التهمة باليهودي، فتدخلت السماء، أنزل الله قرآنا، سبع آيات بينات تبرئ اليهودي وتحذر رسول الله من الحكم للخائنين من المسلمين، قال الله فيها لرسوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (106) وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً (110) وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (112) وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}(105 - 113 النساء). إنه أعظم دفاع عن عدو لنصرة الحق والعدل في تاريخ البشرية ومنذ خلق الله الكون إلى اليوم.. دفاع من الله رب العالمين أنزله على نبيه الذي أرسله بدين الحق عن يهودي كفر بما أنزله على محمد!! وبعدها خرج رسول الله مذكرا ببشريته، محذرا قومه من خديعته بظاهر الحجة وبلاغة الكلام، قائلا: (إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق غيره فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها) (أخرجه البخاري). وحرصا منه على أن يستبرئ المسلم من الحقوق المادية والمعنوية للغير، ولأهمية ذلك وعظمه، وقف في آخر أيامه، وقد اشتد عليه المرض قبيل وفاته، وخاطب قومه من منبره في مسجده يعلمهم الجرأة في الحق على النفس، ويرسم لهم القدوة، قال: (من كنت جلدت له ظهرا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليستقد منه، لا يقولن رجل: إني أخشى الشحناء من قبل رسول الله ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي، ولا من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ حقا كان له، أو حللني فلقيت الله، وانا طيب النفس). فقام رجل غير خائف ولا متهيب وقال: يا رسول الله إن لي عندك ثلاثة دراهم. فقال له رسول الله: أما إنا لا نكذب أحدا، ولا نستخلفه، فيم صارت لك عندي؟ قال الرجل: تذكر يوم مر بك مسكين، فأمرتني أن أدفعها إليه؟ فأمر رسول الله أن تدفع إليه فوراً. وكما كان عظيما في حرصه على الحق والعدل، كان عظيما في تسامحه فيما ليس فيه إضرار بحق الغير، محتسبا ما يصيبه من أذى لوجه ربه وحده لا يبتغي إلا مرضاته. تسامح مع وحشي الذي أوصته هند زوجة أبي سفيان بقتل حمزة بن عبدالمطلب، وقبل إسلامه، ولكنه لطبيعة البشر فيه طلب ألا يراه حتى لا يتذكر به تلك الجريمة الشنيعة. تسامح مع هند زوجة أبي سفيان نفسها التي فعلت ما لم يفعله إنسان ولا حيوان.. شقت صدر حمزة وأخرجت كبده ولاكتها في فمها، ورغم ذلك قبل منها إسلامها، وعفا عنها، وبايعها وتسامحه مع أهل مكة.. أهل مكة الذين حابوه وآذوه في نفسه وجسده وعقيدته كذبوا رسالته، وقاطعوه، وحبسوه في الشعب، زرعوا الشوك في طريقه، والأوضار أقام بيته، وألقوا كرش بعير على رأسه وهو ساجد.. أهل مكة الذين استمروا على ذلك السلوك المشين معه لا لسنة أو سنتين بل ثلاث عشرة سنة، لم ينتقم منهم حين ظفر بهم، وكانوا وقوفا أمامه أذلاء خائفين، فسألهم: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ وهم يعرفون عظمة خلقه، وصدقه، وتسامحه، قالوا: (أخ كريم وابن أخ كريم) فقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)! فما أن سمعوها منه حتى ازدحموا عليه مسلمين، يشهدون أن لا إله إلا الله وأنه عبدالله ورسوله، طواعية بلا إكراه، فأنزل الله عليه: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}، ففاضت أعين المؤمنين منهم بالدمع حتى كادت أن تسير نهرا، ندما وتصديقا وإيمانا. ولم يبالغ أحد في أذاه بعد أهل مكة كما بالغ أهل الطائف.. لجأ للطائف لعل سادتها وكبار قومها ينصرونه من ظلم سادة مكة، فخذلوه، وأغروا السفهاء والعبيد به، وطاردوه يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، فوقف إلى جوار حائط حديقة عتبة بن أبي ربيعة وقد أعياه التعب، والألم، والخوف من عدم رضا ربه عنه، وقف يدعو متوجسا، خائفا، طالبا رحمة ربه: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل على سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك). فنزل عليه جبريل يبلغه أن الله يخبره بأن يخسف الطائف بأهلها فيجعل عاليها سافلها. فماذا اختار؟ اختار العفو والتسامح وخاطب ربه قائلا: إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، لعله يخرج من أصلابهم من يوحدك ويعبدك. ونجح في اختبار ربه له في صبره وتسامحه واحتسابه من أجل رسالته، فنال الجائزة بتمام النعمة عليه، بالفتح والنصر والغفران، وردد الكون كلمات ربه له: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً}(1-3) الفتح . وصلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله.
|