Thursday 30th June,200511963العددالخميس 23 ,جمادى الاولى 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

في الحوار مع الآخر.. ألم يأن للعرب أن يتجاوزوا طفولة السياسة إلى رشد الثقافة؟ في الحوار مع الآخر.. ألم يأن للعرب أن يتجاوزوا طفولة السياسة إلى رشد الثقافة؟
قمة برازيليا.. نموذجاً (1-2)
د. عبدالله البريدي *

عند الحديث عن مقومات العقلانية التي نجتهد لوضع بذورها وإنبات شجرتها في أرضنا وأرض الآخر، أريد التأكيد على ما له صلة بموضوعنا لنشير إلى أن تلك العقلانية تعلي من شأن الثقافي والاستراتيجي على حساب السياسي والآني، وهذا يقتضي التحريض والعمل الجاد على سلب المفاتيح الكبيرة للحوار من السياسي لنمنحها للثقافي، فالسياسة أحياناً لا عقل حصيفاً لها، ولا قلب رحيماً، بل ولا خلق قويماً، بخلاف ما عليه الثقافة الحية، بل إن السياسة لا تنقّب إلا عن مصالحها المباشرة وما عساه يثبّت أركانها ويجذّر عروقها في دنيا الحكم والسلطة، غير آبهة بمصالح المجتمع ولا ملتزمة ببنود العقد معه، وتستوجب تلك العقلانية أيضا إقصاء النظرات الآنية المستعجلة وإبعاد منظور الربحية قصيرة الأجل من فواتير الحوار وسجلاته لحساب النظرات الاستراتيجية والمتأنية والربحية طويلة الأجل، فليس ثمة ما يدعو إلى إحراق ثمرة الحوار التثاقفي أو تعجل قطفها قبل أوانها سوى استعجال السياسة أو تطرف الأيديولوجيا أو جشع الاقتصاد، وقل إن شئت مختصراً ذلك كله: رعونة التفكير!!.
وقولنا بضرورة تقديم الثقافي على السياسي في مجال الحوار التثاقفي لا يعني البتة التقليل من شأن السياسة أو تهميش الدور الذي يمكن أن تؤديه وبكل اقتدار في ذلك المجال، كلا، وإنما أردنا بذلك أو ألجأنا إليه - بمعنى أدق - ما نراه من هزال السياسة عموماً والعربية خصوصاً في تشجيع قنوات الحوار وتنميته ودعمه، فالسياسة - وخاصة عندنا معاشر العرب - لها حساباتها المعقدة، كما أننا نعترف بأن الديبلوماسية العربية تقع تحت ضغوط كبيرة لا يمكن تجاهلها أو نكران شدة وطأتها على الساسة العرب!، (من ذلك الضغوط الكبيرة التي مورست ضدهم بخصوص قمة برازيليا).. هذا مرتكز محوري في دعوتنا إلى تجاوز السياسي نحو الثقافي بالدرجة الأولى والاقتصادي بالدرجة الثانية في حوارنا مع الآخر.
وثمة مرتكز آخر لا يقل أهمية عن سابقه، فنحن نعيش في عصر (إمبراطورية العولمة)، حيث يأبى عرش العولمة إلا أن ينتقص من سلطة السياسة ويقتات من نفوذها، كما يصر تاج العولمة على الولوج داخل حدود السياسة ليشارك بكل صفاقة وتبجح في ترتيب الأولويات واتخاذ القرارات، بل وفي تشكيل بعض أنماط الحياة، الأمر الذي يخدش كبرياء السياسة ويضعف هيبتها، غير أنه لا حول ولا قوة لها إلا الاستسلام لإرادة الإمبراطور الذي اختار أن يلعب كل من الثقافة والاقتصاد دوراً متزايداً في سد الفراغ الكبير الذي يخلفه انشغال أو - بالأحرى - إشغال السياسة في مهام وأدوار جديدة!!.
ولعل في سياق الحديث عن ضرورة تغليب الثقافي على السياسي ما يغرينا على التذكير بالقمة العربية - اللاتينية المشهودة التي حضرها 34 دولة (22 عربية و12 لاتينية)، وذلك في شهر مايو عام 2005، ولم يحضر من الرؤساء العرب سوى 7 فقط في حين حضر 8 رؤساء من أمريكا اللاتينية.
قمة برازيليا، بذل فيها الأصدقاء اللاتينيون كثيراً في حين تقاعسنا نحن كثيراً!.. سنتان وأصدقاؤنا يعدون العدة ويتحملون الضغوط، صحيح أنهم يبحثون عن مصالحهم بالدرجة الأولى، وهذا حق جد مشروع لهم ولغيرهم، ولكن هذا الإصرار يؤكد على إيمانهم بأهمية الحوار معنا وجدواه لنا جميعاً.. وحتى لا يكون الحديث إنشائياً في سياق يفترض أن يكون مدعّماً بالحقائق دعونا نلملم بعض الإحصائيات والأرقام - مع شحها وندرتها - التي قد تعكس بعض أجزاء الصورة.. يفتح لنا التاريخ الحديث سجلاً كبيراً يفصح وبجلاء أنه قد كان لنا كعرب علاقات واسعة مع أمريكا اللاتينية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين الميلادي.. سياسياً ضمن منظومة عدم الانحياز، واقتصادياً ضمن مجموعة الـ 77.. كما يحفظ ذلك التاريخ بكل الوفاء وكل الامتنان أن الديبلوماسية اللاتينية أبدت تأييداً لقضايانا المصيرية، كقضيتنا المحورية، قضية فلسطين.. وبأي شيء نقابل هذا التوجه الصادق من قبل الأصدقاء.. تمثيل ديبلوماسي ضعيف وتثاقف حضاري هزيل وتعاون اقتصادي هش.. وتطالعنا الأرقام بأن جمهورية مصر هي الأكثر تمثيلاً ديبلوماسياً حيث تمتلك 13 سفارة في أمريكا اللاتينية، وتُعَدّ الدول الخليجية الأفضل في الجانب الاقتصادي إلا أن حجم التبادل التجاري لا يزيد عن 2.5% من حجم تجارة أمريكا اللاتينية؛ مع ميل الميزان التجاري لصالح الدول اللاتينية بما يعادل عشرة أضعاف! (لم يذكر المصدر تاريخاً لتلك الإحصائيات. أنظر إبراهيم السخاوي، ملف الأهرام الاستراتيجي).
وهناك بعض المؤشرات على وجود استجابات سريعة وإيجابية للتحركات بين الجانبين العربي واللاتيني، من ذلك أن الصادرات البرازيلية ارتفعت بنسبة كبيرة بعد زيارة الرئيس البرازيلي لويس لولا عام 2004 إلى بعض الدول العربية، حيث تشير بعض الإحصائيات إلى أن حجم التجارة بين البرازيل والدول العربية قد زاد بنسبة 50% وذلك من عام 2003 إلى 2004، وقد بلغت صادرات البرازيل للدول العربية 4 بلايين دولار، أما وارداتها منها فقد بلغت 4.1 بلايين دولار.
ونصل إلى ملمح مهم في سياق التثاقف العربي اللاتيني، حيث الامتزاج العربي الناجح في بنية الحياة الأمريكية اللاتينية، فقد وصل عدد العرب في أمريكا اللاتينية وفق بعض الإحصائيات إلى 17 مليون (عام 2000)، أغلبهم قد هاجر من سوريا ولبنان وفلسطين، وقد استطاع الكثير من العرب ليس فقط الانخراط في مجتمع أمريكا اللاتينية والتكيف بنجاح فيه، بل تعدى ذلك إلى وصول بعضهم إلى سدة الحكم، ففي الأرجنتين تولى كارلوس منعم الرئاسة، ووزيرة خارجية بارجواي هي عربية (سيلي رستم)، ورئيس الإكوادور من أصل عربي أيضا ومنافسه كذلك، وللتأكيد على صدق نية الأصدقاء اللاتينيين ومضي عزمهم في التثاقف مع العرب، عرض في قمة برازيليا صور من عشر دول من أمريكا الجنوبية.. لماذا؟.. قالوا من أجل إبراز التأثير العربي في نسق الحياة في تلك القارة، كما تنعكس في خارطة العادات والزراعة والمطبخ.
ألا تكفي كل تلك المقومات والمؤشرات لتشجيعنا للتفكير الجاد بإقامة شراكة حقيقية مع أصدقائنا في أمريكا اللاتينية؟ هل يسوغ لنا أن نتقاعس ثقافياً واقتصادياً من جراء ضعف السياسة العربية في مجال التثاقف؟ ألا يمكن أن تلعب الثقافة دوراً حيوياً ومتزايداً في صناعة بدائل حضارية وتحالفات استراتيجية جديدة للدول العربية؟ ألا يمكن أن نفيد من مقياس درجة إيمان الثقافات والحضارات الأخرى في التثاقف والتحالف الاستراتيجي معنا؟ لم لا نمارس درجة كافية من ابتكار وسائل وقنوات جديدة مع أصدقاء جدد يحترموننا بقدر ما نحترمهم ويؤمنون بشراكة عادلة وتثاقف نزيه؟ هل يعني ذلك تهميش المكاسب والصداقات القديمة والقائمة مع بعض الثقافات أو الدول؟.. طبعاً لا.. وكما جاء في بيان قمة برازيليا... أنها قمة مسالمة وغير موجهة ضد أحد.. ولكنها في الوقت ذاته قمة تمنحنا نهجاً إبداعياً ونَفَساً ابتكارياً نصبغ به تفكيرنا في صناعة مستقبل أفضل.
(يُتبع)

* كاتب وأكاديمي سعودي

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved