ربَّما يحتاجُ المرءُ في لحظة تفكيرٍ أن يجدَ مناصاً إلى الهدوءِ، وهو على ما فيها الحياة من حوله من صخبٍ قاض لمضاجع (راحته)، (سكينته)، (توحّده) بذاته، (فراغه) لأعماله وإنجازاته، يرغب بلاشك في طريقةٍ جيدةٍ للخلوص من ضغط التَّكاثف من حوله إلى براح يصفو فيه إلى نفسه... إنَّ فكرة الحياة الهنيئة الموشَّّاة بكثيرٍ أو قليلٍ من النسبة الكافية لأن يكون مسالماً مع زمنه ووقته لهي الملحَّة في الرَّاهن، وهي مضغة المفكرين، ولقمة الشعراءِ والحالمين، وطبق المحتاجين... لذلك، فالتَّذمر القائم من (هروب) الوقت، ومغازلته كي ينتظر في طابور الأحلام حتى يصل إليها المرءُ فيتناولها حلماً حلماً كما يتناول حبوب العنب أو الكرز.. لا يخرج منه إلا إلى السِّباحة الماتعة في ملكوت التَّخيل الجميل بثمّة براح، ورواح وفسحة وانطلاق... يعود لتذكر أغانيه القديمة، ويلجأ لفتح ملفاته النائمة، ويهرول إلى كل صامت في زاوية من زوايا وجدانه... إن كان له ذاكرة لم تثقبها (موبقات) التَّضخم والتَّكاثر والتَّكاثف.. أو يصلّدها الكم الكبير لهذه المتناميات بسرعة خارقة في لحظاته يتذكر (عيشة الفلاح) فيطرب (لمحلاها) تلك الحياة الطبيعية التي لا حدود فيها لسعة النظر وانفراج الزوايا وامتداد اللوحة.. لا ما يكسِّر نظره وهو يلاحق غزالاً يتقافز سروراً، أو طيراً يحلِّق حبوراً، أو حماراً يجتر برسيماً عند زاوية شجرة نافث وأينعت، أو بيت طيني حضن الأقدام بمثل ما ربت على الأكتاف، يحنُّ لفلاح يتصبب عرقه فيما يُعمّر أنفه رحيق الزهور والبخور وغبار الفواكه والثّمار... يحنُّ لأمسية القمر فيها ليس الدائرة الترابية التي غرس مركبته فيها رجل كأنَّه الغموض في صورة خرافية... ويحنُّ لجيبه بقليلٍ من نقود زادها الاطمئنان بركة، وبحلقة من الجيران والأهل والمعارف حول طبق تتاخم فيه الأيدي وتتلاقى الأصابع... المرءُ الهاربُ الآن إلى رحمة الذاكرة.. يبقى سعيداً جداً عن الذي ولد بلا ذاكرة في زمن الجدب من البقايا الحلوة التي من شأنها أن تغسل عن النفس رهقها وتفتح لها أبواب وطن من الأمثولات الجميلة في طبيعة لم يكن يخدشها طمع وفي بشر لم يكن يغرفهم جشع، وفي يومٍ مليء بالأمل، وليل مكدس بالأحلام... إنّها اللَّحظة التي تستدعي المبدعين لأن ينطقوا إذن فلا تزال مساحات خضراء للأمل في حياة هادئة أفضل على الأقل مما هي.
|