Thursday 30th June,200511963العددالخميس 23 ,جمادى الاولى 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "سماء النجوم"

صِبيةُ الغناء الغانيصِبيةُ الغناء الغاني
قصة: عبدالحفيظ الشمري

إذا أكلنا ما تجود به القدور المهمشة، السوداء الفاحمة يلوذ أهلنا بالنوم ونجلس نحن أبناء المنحدر أمام (مذري) حول النار التي يعكس وهجها السمرة الطاغية لوجهه المتجهم..
في قلبه - رغم ذلك - مسحة من البراءة وفسحة من الفطرية المتناهية.. تزاحم انثيالاتها ما يحمله من جسارة تفتننا ويقهر بها الرجال على هذا المنحدر.
يحضر لنا (مذري) الشاي بالنعناع الجبلي، ويحدثنا على وهج ضيائها عن قصص خلفتها مغامرات أهل الجبال القصية.. عن نزف الأقدام أمام ضراوة الليل وعتمة الكهوف في (آجا) الصامت بدهره حتى يتكامن حديثه لحظة أن يصل إلى واقعه بيننا.
على هذا المنحدر الذي أحاله إلى مجرد سارح خلف شياه أنهكها الإجداب.
لا ينسى مهما تحدث غار (الجافل) الذي خرج منه وهبط نحو السفوح إلى أن وصل منحدرنا المسكون بهجس المرارة.
يغضب أحياناً منا ويلوذ بالفرار صوت الجبل المتجهم ونحتمل نحن نزوة غضبه إذ نرعى الدواب نيابة عنه عابسين..
إذا ما سئمنا الأحاديث وأوغل الأهل في وسنهم ننزلق برفقته إلى المنحدر.. نجوس خواء الصمت، وخرس الليل الذي يجلل جماد الأرض بهيبة سكونه.. أو دابة تصبح مطيته يعلوها بلا تهيب فتسير حوله كما حاشية مثخنة بتباجيل ودها.
يخبرنا بعد غياباته في أعماق الجبال أنه يمر بدم الأرض ويقبر أمه على السفح ليبكي بحرقة حتى تحن الأشجار والطيور عليه ليصعد إلى غار الجافل.. عشه الذي خرج منه إلى منحدرنا الهالك الضجر.
يا لهذا المنحدر الذي يعجب به أهلنا ويتعشقوه حتى الغناء الغاني به..؟!
عاد إلينا مرة وعلى نحو مباغت بصديقه مبارك ذاك الذي حدثنا عنه، وعن غنائه العذب بمصاحبة الربابة.. كانت الآلة السحرية مغطاة (بعدل) أجرجاها في حلكة ليلنا الذي ترجل عن فرس عتماته لينصت معنا إلى أنين الربابة المشبع بالجاونية قرب نار تنوس آخر ضيائها أسفل المنحدر.
في صبح باكر خذله المغني إذ لم يكن في الأساس إنساناً يداوي جراحنا بعذوبة صوت حنون ينسرب برقة من تحت أصابعه.. سرق مبارك (وفي حلكة ليل بهيم) غاب عنا قمره المخاتل (بعض الشياه) حلمنا بالتكافل والحب وقضاء الحاجات لحظات الفاقة والعوز.
لم يهرب (مذري) إلى الجيل لحظة علمه بسرقة صديقه (مبارك.. راعي الربابة) إذ أدرك أن أهل عليا الجبال متهمون منذ هذه اللحظة بالسرقة لينصرف عن منحدرنا صوب السهوب هارباً كذئب.. ليسير نحو مدن العمال وليصبح - فيما يبدو - سائقاً أو طاهياً أو حمالاً..
إنما الأمر المؤكد أنه لن يعود إلى قمم الجبال هناك.. ولن يرى قبر أمه أو يقرب منحدرنا الذي سرقه - عشه (غار الجافل).
آه.. صدم بنا .. نعم.. وصوب السهوب هرب الراعي الجسور كذئب وطئته حوافر الحذر المفجع.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved