Wednesday 13th July,200511976العددالاربعاء 7 ,جمادى الثانية 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

البوارحالبوارح
المرأة والمجتمع المدني 2-3
د. دلال بنت مخلد الحربي

استكمالاً لموضوع الأسبوع الماضي، والذي أشرت فيه إلى فاعلية النساء الأُول في خدمة المجتمعات اللاتي وُجدن فيها، توقفت في حديثي عند زبيدة بنت جعفر المنصور زوجة الخليفة هارون الرشيد التي أسهمت بأفعال كثيرة في تنمية المجتمع في الوقت الذي عاشت فيه.
ولعل أهم ما فعلته عنايتها بالطريق من بغداد إلى مكة المكرمة، والذي خصص للراغبين في الحج إلى بيت الله الحرام، فهذا الطريق يُعَدُّ عملاً مميزاً لأنّه أعان أفراد المجتمع في العراق وشرق العالم الإسلامي على الوصول إلى البيت الحرام وأداء المناسك في سهولة ويسر، وهو ما لم يكن ليتوفر لولا ما فعلته السيدة زبيدة رحمها الله. وقد أشار الرحالة العربي ابن جبير إلى عملها هذا بقوله إنها: (لم تكتف بما عملته في عين النعمان وحنين، فأنشأت عدة آبار وبرك ومنازل على امتداد طريق الحجاج من بغداد إلى مكة، وكأنها وقفت حياتها على خدمة الحجاج بإنشاء مثل هذه المرافق والمنازل، وأشهر هذه المنازل منزل (المحدث) في طريق مكة على مسافة ستة أميال من (النقرة) وفيه قصر وقباب متفرقة وبركة وبئران ماؤها عذب. ومن هذه المرافق في طريق بغداد - مكة: بركة (العناية) وبركة (أم جعفر) وبركة (القنيعة) وبئر (الحسيني) وبركة (الزبيدية) وفيها أيضا قصر ومسجد عمرتهما زبيدة. ويعلق ابن جبير على هذه المنازل والمرافق قائلاً: (ولولا آثارها الكريمة في ذلك، لما سلكت هذه الطريق، والله كفيل بمجازاتها والرضا عنها).
وتذكر المراجع التاريخية أنّها حجت إلى بيت الله الحرام، وذلك في سنة (186هـ) ستة وثمانين ومائة من الهجرة، وعندما شاهدت أهل مكة المكرمة، ليس لديهم من المناهل سوى المسائل التي يجود بها المطر أحياناً، وبعض الآبار التي تفيض وقتاً وتجف وقتاً آخر، وكان الحجاج يحملون من قرب الماء ما يؤودهم، ويتعب ظهورهم، فعزمت على أن تحفر لأهل مكة المكرمة، ولحجاج بيت الله الحرام نهراً جارياً، يتصل بمنابع الماء، ومساقط الأمطار.
ولم يكن يخطر ببال أحد منذ عهد إسماعيل عليه السلام وحتى ذلك الوقت، مثل هذا الخاطر، بل لم يتمناه أحد، لأنّه أبعد ما يكون من حد التمني، فدعت زبيدة خازن أموالها، وكلفته بأن يستقدم من يشاء من المهندسين والعمال اللازمين لإتمام هذا المشروع، وشددت عليه بأن يبذل أقصى جهده، ولو كلفته ضربة الفأس في الأرض ديناراً، ووفد على مكة المكرمة، أكفأ المهندسين وأمهر العمال، وقاموا بعمل توصيلات بين منابع الماء في الجبال، واعتمدوا اعتماداً كلِّياً على عين مياه (حنين) فأسالوا منها المياه من تحت الصخور، حتى وصل إلى مكة المكرمة.
فالسيدة زبيدة تقدم لنا نموذجاً رائعاً لإسهام المرأة في خدمة المجتمع والعمل على توفير الراحة والرخاء لأبنائه، وهي دون شك استفادت من مركزها الاجتماعي الكبير، بكونها زوجة خليفة عظيم هو هارون الرشيد، فكان عملها بحجم مركزها الاجتماعي.
ومن المسهمات الأخريات فاطمة خانم ابنة السلطان سليمان القانوني والتي أوصلت ماء زبيدة من عرفات إلى مكة المكرمة، فعندما تعرضت عين زبيدة للخراب وقلّ جريان الماء في عين عرفات، قامت بإجراء ترميمات وإصلاحات لعين النعمان وحنين وأمرت بوصل القناتين معاً.
ومن المسهمات الأخريات أم الخليفة الناصر العباسي التي كانت من الرائدات في العمل الاجتماعي الموجَّه إلى تذليل سبل الحياة لغير القادرين والبسطاء، فأوقفت جملة من الأربطة للنساء في بغداد، وخصصت أماكن عامة لشرب الماء للمحتاجين .. ومن أعمالها المهمة رباط للفقراء أوقفته في مكة المكرمة، كما أنّ ست الشام بنت أيوب بن شادي المتوفاة عام 614هـ - 1217م وهي من أميرات البيت الأيوبي، كانت من أكثر النساء صدقة وإحساناً إلى الفقراء، ومن أشهر ما أوقفته المدرسة الشامية البرانية، والمدرسة الشامية الجوانية، وهما في دمشق، استفاد منهما الكثير من طلاب العلم، الذين أتيح لهم الدراسة فيهما، كما درس فيهما أعلام من أبرز علماء المسلمين.
واشتهرت الدار الشمسي المتوفاة عام 696هـ - 1296م وكانت ابنة للسلطان الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول، بأنّها كانت تحب الخير، وكانت ذات صدقة ومعروف، ولها مآثر كثيرة؛ منها المدرسة المعروفة بالشمسية بذي عدينة في مدينة تعز، خصصت من الأموال الموقوفة ما يصرف منه على إمام ومؤذن وقيم ومدرس وطلبة ومعلم وأيتام يتعلمون القرآن، وابتنت مدرسة في زبيد معروفة بالشمسية أيضا، وقفت عليها أيضا وقفاً جيداً بكفاية المرتبين فيها.
أما مريم بنت الشيخ الشمس بن العفيف المتوفاة عام 713هـ - 1313م وكانت زوجة للسلطان الملك المظفر، من ملوك بني رسول في اليمن، فقد جاء إسهامها في الوقف، ببناء مدرسة في زبيد عرفت بالسابقية، ومدرسة مريم، كانت من أحسن المدارس وصفاً، رتبت فيها إماماً، ومؤذناً، وقيماً، ومعلماً، وأيتاماً يتعلمون القرآن، ومدرساً للفقه على مذهب الإمام الشافعي، ومعيداً وطلبة، ووقفت عليها وقفاً جيداً يقوم بكفاية المدرسين والعاملين، والتلاميذ والأيتام. وفي تعز، أسست مدرسة أخرى خصصت لها وقفاً جيداً.
كما ساهمت نبيلة (ت 718هـ - 1318م) وهي ابنة الملك المظفر، شمس الدين يوسف بن عمر بن رسول ببناء مدرسة في زبيد، عرفت بالأشرفية، وقفت عليها أوقافاً، تكفي حاجة العاملين فيها.
ومن المسهمات في الوقف، أم الحسين بنت قاضي مكة، شهاب الدين الطبري، التي أوقفت رباطاً في مكة عام 784هـ - 1382م، وأم القطب القسطلاني التي أوقفت رباطاً أيضاً في القرن الثامن الهجري - الرابع عشر الميلادي، أي في فترة وقف أم الحسين.
وفي المصادر التاريخية أسماء كثيرة لنساء شاركن في أعمال كانت موجَّهة بالدرجة الأولى نحو تفعيل دور المجتمع المدني، من خلال نشر العلم وتوفير الرعاية الاجتماعية، وتوثيق الروابط الأسرية، يضيق المجال بذكرها، توضح في مجموعها، أنّ المرأة المسلمة شاركت في هذا المجال المؤثر في تطور الحضارة الإسلامية بنصيب وافر، وأنّها كانت حريصة كلّ الحرص على تقديم كل ما تستطيع عمله مشاركة وإسهاماً في فعل الخير.

يتبع في الأسبوع القادم -إن شاء الله -.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved