Monday 25th July,200511988العددالأثنين 19 ,جمادى الثانية 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الحبر الأخضرالحبر الأخضر
ما هكذا تورد الإبل يا سعد
د. عثمان بن صالح العامر

يقول صاحبي: (خرجت من مكتبي ذات يوم متجهاً إلى خارج الإدارة التي أتسنم فيها منصب المدير العام لاجتماع هام مبرمج سلفاً.. كانت الساعة حينها حوالي الثانية عشرة وربع، وهو الوقت الذي يقل فيه المراجعون وتهدأ الحركة في الممرات غالباً إذ يتجه الجميع إلى المصلى لأداء صلاة الظهر.. كانت الممرات أمامي صوب الباب الخارجي للإدارة شبه خالية إلا من ثلاثة وقفوا يتحدثون فيما بينهم.. اثنان منهم من الموظفين المنتمين إلى هذا القطاع، والثالث - وهو الذي يهمنا في سياق هذا الحدث - شاب أعرفه جيداً، حاصل على شهادة الثانوية العامة قبل سنوات، التحق بالجامعة ولم يستطع المواصلة، عمل في القطاعين العام والخاص وترك أو تُرك.. بحث وبُحث له عن عمل مناسب ومازال البحث جارياً حسب علمي.. سلمت على الجميع، واتجهت نحو الباب الخارجي.. أنهى صاحبنا حديثه الذي وقف من أجله على عجل ولحق بي بخطوات عجلى.. سأل السؤال المعتاد وهو خلفي وكأنه يطلب مني الوقوف والالتفات.. كيف الحال يا دكتور؟.. التفت إليه بجميع جسدي بل وتوقفت عن المشي تأدباً وتقديراً.. وقلت له بخير ولله الحمد والمنّة، وأردفت بذات اللغة وعلى نفس المنوال.. وأنت وش الأخبار، كيف الوالد والإخوة، تأمر على شي.. وهذه للعلم من ألفاظ المجاملة التي تجري على ألسنة الكثيرين في مجتمعنا المحلي، وغالباً ما تقال الجملة الأخيرة (تأمر على شي) عندما يريد أحد الطرفين إشعار الطرف الآخر بأنه يرغب في الانصراف.. قال لا أبداً.. ثم قال بعد أن سكت لعدة ثوانٍ: أول مرة أشوفك هنا، قلت له: أين؟ قال: هنا في الإدارة؟.. فقلت له على عجل وبصيغة استغراب: هل سبق وأن دخلت على مدير المكتب وسألت عني؟ قال لا وإنما بالأسياب ويقصد (الممرات).. عجبت من هذا المنطق، ومن باب التوثق قلت له: هل أنت دائم التواجد هنا؟.. فقال لا، والله يمكن من شهرين ما مريت إلا اليوم.. سكتُ وتململتُ في مكاني والتفتُ عنه سريعاً هاماً بالسير في طريقي، وجزماً شعر هو بألم الترك فأعقب قائلاً: المفروض إنك دايم تمر على الموظفين وتتنقل بين الأقسام وتراقب العمل، ومن الطبيعي لو كان هذا هو نهجك الإداري سيراك الجميع.. خوياك، ويقصد العاملين في الإدارة جميعاً ميتين!!.. سألته كيف عرفت أنهم كما وصفت أصبحوا في زمرة الأموات؟.. قال: بين.. الوحيد منهم الممتاز والحي هو هذا، ما عرفه الذي كان واقفاً عندي قبل شوي اللي لابس غترة قلت له تقصد أحمد، قال مادري والله وش اسمه لكن واضح أنه شغيل.. سألته كيف لا تعرفه وأنت واقف تتحدث معه؟.. فقال: أنا واقف مع الموظف الآخر وجاء هو وسلم علينا ووقف ينتظرني حتى انتهي.. قلت له من باب الاستدراج هل تعاملت معه من قبل؟.. فرد سريعاً: لا والله، ألقيت عليه فوراً السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا من قال لك عنه أنه موظف متميز؟.. فرد فرحاً وكأنه أصاب الهدف: هكذا إحساس من عندي!!).. وهنا تم الافتراق وبه انتهى الحدث، وبقي عالقاً في الذهن.. أعتقد أن هذا الشاب لا يمثل نفسه فقط بل جزماً أن هناك شريحة كبرى من المجتمع تمارس هذا اللون من النقد المبني على الحدس والحس الذاتي والعلم الفطري المبتور عن أي أرضية علمية وخلفية عملية، وكذا الحكم على الأشخاص بمجرد الظن أو الشكل، وقل مثل ذلك عن إصدار النصائح والافتراضات والتوجيهات المتنوعة أدناها الثقافية وأشنعها الفتاوى الشرعية وبين هذا وذاك الآراء السياسية والأطروحات الاقتصادية والنظرية الإدارية والوصفات الطبية. وللحديث بقية.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved