Monday 25th July,200511988العددالأثنين 19 ,جمادى الثانية 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

هل أنت مواطن!؟هل أنت مواطن!؟
د. عبد الرحمن الحبيب

المواطنة مصطلح يتم تداوله يومياً في مجتمعاتنا العربية بطريقة مشوشة وعشوائية؛ وغالباً يُقصد به أبناء الوطن أو البلد أو (عيال الديرة)، كمقابل للأجانب أو للآخرين، دون ارتباط واضح بالمسائل الحقوقية والسياسية.. وحتى في مفهوم فكرة أبناء البلد، فإنه يتداخل بواحد أو أكثر من: القومي (العرقي)، الطائفي، القبائلي، المناطقي، الطبقي، العمر، الجنس... إلخ.. والمعنى هنا فيزيقي (شكلي)، ومفهوم قروسطي، حيث المواطن في أحسن الأحوال مجرد تابع.. المواطنة هي علاقة بين فرد ودولة يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة (دائرة المعارف البريطانية).. أن تكون مواطناً يعني ببساطة أن لك حقوقاً وعليك واجبات ضمن إطار دولة التشريع والقانون والمؤسسات، وتكون عضوياً جزءاً لا يتجزأ في مجتمع ودولة، تشارك في قراراتها بشكل أو بآخر، ولك حقوق وواجبات مدنية واجتماعية.
مصطلح المواطنة كمفهوم محدد قانونياً واعتبارياً، ظهر مع نشأة الدولة اليونانية القديمة، وكذلك في الحضارة الفينيقية والرومانية.. والمواطن حسب أرسطو هو المشارك في الوظائف الحقوقية والعامة.. ويتبعها الموقع الاقتصادي، أي أن المواطن هو الذي لديه ملكية محددة تساهم في خزينة الدولة، مما يعني التمييز بين السكان أنفسهم.. ومن ثم فمفهوم المواطنة كان محدوداً، أي أنه محصور في مناطق معينة، أو يعطي حقوقاً لفئات معينة ولطبقات على حساب طبقات أخرى، مثل تقسيم السكان إلى أحرار وغير أحرار، وتقسيم الأحرار إلى مواطنين وغير مواطنين مرتبطة بذلك بعدة معايير مثل الولادة وامتلاك العقار والعمر والجنس.. وتقسيم غير الأحرار إلى تابعين وعبيد.. أي أن المواطنة كانت حقاً لنسبة ضئيلة من المواطنين مقابل عدد كبير من السكان.. وكانت هذه الحقوق غامضة في حالات كثيرة تتفاوت وتتراوح بين المشاركة في القرار من تشريع وتنفيذ وقضاء وبين الحق الأدبي الاعتباري أو النظري.
وفي تاريخنا الإسلامي لم تكن المواطنة كمصطلح موجودة، وإن أخذت كمفهوم في الدين الإسلامي أشكالاً متعددة، كحقوق المسلم وغير المسلم، والحر والعبد.. ولم يكن الفصل واضحاً بين الولاية السياسية والقضاء، فيما ارتبطت مهمة التشريع بالأولى.. بل إن القضاء كان من الوظائف الداخلة تحت الولاية السياسية كما يذكر ابن خلدون.. وأشكال المواطنة (حقوق المسلم وغير المسلم) التي ظهرت في الخلافة الراشدة (خصوصاً عهد عمر بن الخطاب)، والتي استندت على الحقوق الشرعية أقرت المساواة بين الناس أمام القضاء طالما لم تحل حراماً أو تحرم حلالاً بالاستناد على القرآن والسنَّة وعادات المجتمعات.
تأثرت وتبدّلت أشكال المواطنة الراشدية بأشكال أخرى مع ظهور الدولة الأموية وما بعدها وظهور الفرق الإسلامية ونشوء جهاز الشرطة والجيش وإعادة تنظيم الخراج والجزية، تمّ خلالها تعزيز تباين الحقوق بين المسلمين (مثل امتيازات العرب على الموالي.. عهد الأمويين)، وتفاوت واجب ولاء المواطن المسلم بين الدين والحاكم، وتداخل الأسس التي تقوم عليها المواطنة بين الأساس الديني والأسس الأخرى من اقتصادية وسياسية واجتماعية.. وفي المحصلة تشكل مفهوم المواطنة وفقاً لترتيبات السلطة وعلاقاتها وصراعاتها السياسية وما يمنحه الراعي للرعية، مع استمرارية المرجع الديني كي يسبغ على المفهوم بعده الشرعي، رغم وضوح التباين بين الأساس الديني والمصلحي السلطوي في كثير من الحالات.
وقد تناول الفقهاء والمتكلمون بكثير من الاختلاف مسألة الإمامة وحق المسلمين في اختيار الإمام، وشروط الإمامة، والعلاقة مع الرعية أو العامة، وواجبات الأخيرة وحقوقها (شروط المواطنة) بكثير من التفصيل مرتكزة على إحقاق العدل والمساواة.. وكانت تلك الحقوق تتمحور حول حماية الأموال والأنفس والأرض والأعراض ورفض الظلم والأذى.. مع واجب الولاء والطاعة للإمام ودفع الرسوم (حسب الفترة التاريخية)..
وبالانتقال إلى الخلافة العثمانية كان مفهوم المواطنة قد تخللته تفسيرات وتنوعات متعددة، وتأويلات منحازة لا تتجاوز كون المواطنين رعية أمام راعٍ وليسوا مواطنين إزاء مسؤول أو محكومين إزاء حاكم.. ولم يتطور مفهوم المواطنة، بل تمّ تغييب العقلانية والطروحات الفكرية الثرية والمثيرة لصالح الركود أو تراكم الجمود وصناعة الجهل والخرافة والدروشة ليدب المرض في جسم تلك الدولة وينخر هياكلها.
وظهر المفهوم الحديث للمواطنة مع بدايات التنوير وعصر النهضة في أوروبا (القرن السابع عشر) متزامنة مع ظهور الليبرالية باعتبارها إحدى ركائزها، والتي تستند على حقوق الفرد وخياراته ورغباته؛ فتشكِّل مفهوم المواطنة كعلاقة بين الفرد والدولة ضمن إطار قانوني وحقوقي.. هذا المفهوم يشكِّل عقداً اجتماعياً جديداً بين المواطن ومؤسسة الحكم، يكون فيها المواطن ذا حقوقية وكينونة مستقلة، أي وحدة اقتصادية حقوقية، على خلاف الوحدة العضوية السابقة (قبيلة، طائفة..) وما يرتبط بها من عنصرية أو تعصب ديني.. وعندما بدأ التأثير الغربي الفتي ينفذ إلى جسم الرجل المريض (الدولة العثمانية) في القرن التاسع عشر الميلادي، حاول السلاطين تمرير بعض المفاهيم الحديثة لعلها تعالج المرض، خصوصاً مع المبادرات المشاكسة لمحمد علي في مصر.. فظهر منتصف القرن التاسع عشر قانون مساواة جميع المواطنين في الحقوق والواجبات أمام القانون، وفي الضرائب والتعليم والتوظيف والتجنيد، وصيانة حقوق غير المسلمين في حرية ممارسة عباداتهم وإدارة ممتلكاتهم.. وما تبع ذلك من إعادة تنظيم الأجهزة الإدارية، وظهور جهاز مدني منفصل عن القضاء الديني..
ولأن العلاج كان متأخراً والتاريخ لا يرحم، فقد انهارت الدولة العثمانية مخلّفة دولاً ودويلات يتناهبها الاستعمار، ونتج عن ذلك تيارات فكرية متنوعة، أغلبها نتاج رد فعل لهذا التمزق من ضياع الهوية، وخلل الأمن، وفقر وجهل وأمراض.. هنا، دخلت المنطقة العربية في نزاعات وحروب وثورات وانقلابات كان فيها مفهوم المواطنة ضحية وشماعة في آن واحد.. فظهرت تيارات ليبرالية ترى في الغرب أنموذجاً يُحتذى، مقابل تيارات أصولية ترى في العودة للماضي خلاصاً مقدساً، كما ظهرت تيارات متنوعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وإن كان أغلب التيارات حاولت التوفيق بين الإرث الحضاري العربي الإسلامي وبين الطرح الغربي الحديث لمفهوم الدولة القومية والسلطة والمواطن.
بعد الحرب العالمية الثانية تراكم ظهور المواثيق الدولية، مشددة على عدم التمييز ومساواة جميع البشر داخل وخارج الدولة.. وتزايد التركيز على حقوق المواطن العامة كالتعليم والصحة والسكن، إضافة للحقوق السياسية والحقوق الخاصة كالحرية الفردية.. رغم تباين مفهوم المواطنة الحديث بين الدول والمجتمعات من ناحية الحقوق المدنية الشخصية، والحقوق بالمشاركة في الشؤون العامة، وحقوق اجتماعية متنوعة... إلخ، إلا أنه يظل في الأساس أن مفهوم المواطنة الحديثة التي لا ينبغي الإغفال عن أنها لم تعد رعية ولا تابعاً أو ملحقاً، بل مساهم في صناعة القرار ومشارك فيه.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved