Monday 25th July,200511988العددالأثنين 19 ,جمادى الثانية 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الاقتصادية"

الآثار الاقتصادية المترتبة على منح الأجانب الجنسية السعوديةالآثار الاقتصادية المترتبة على منح الأجانب الجنسية السعودية
د. محمد بن فهد القحطاني (*)

تتخذ العديد من الحكومات، المتقدمة والنامية على حد سواء، قرارات اقتصادية تهدف في مجملها إلى رفع أو على الأقل المحافظة على مستوى الرفاهية التي يتمتع بها المواطنون. من أهم تلك الحقوق وعلى سبيل المثال توافر الفرص الوظيفية التي تضمن للمواطن دخلاً كافياً يفي بمتطلبات الحياة الكريمة ويتناسب مع مستويات الأسعار السائدة، وذلك بالتأكد ليس فقط من القيمة النقدية ولكن كذلك من القوة الشرائية لدخل الفرد. لذا ذهبت الدول المتقدمة إلى اتخاذ خطوات احتياطية تكفل دخلاً للمواطنين في حال الفقدان التام أو المؤقت لمصدر الرزق، ومن أمثلة ذلك تعويضات البطالة التي تدفعها الولايات المتحدة الأمريكية للعاطلين عن العمل. بل إن أهم التدابير التي اتخذتها الحكومة الأمريكية هي منع التمييز العنصري ضد طالبي العمل من خلال ضمان نسب معينة من الفرص الوظيفية للأقليات من المواطنين الأمريكيين، حيث يتمثل ذلك في القوانين الأمريكية التي تضمن تساوي الحقوق Equal Rights وسياسة التفعيل Affirmative Action
إن الوضع يبدو أكثر وضوحاً إذا أخذنا بعين الاعتبار مقدار الإنفاق على البرامج الاجتماعية في دول الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر كبيراً مقارنة بما عليه الحال في السوق الأمريكي، وبالتالي فإن ضخامة الإنفاق تلك تكون دافعاً للمزيد من الهجرة غير الشرعية لأن وجود العامل الأجنبي داخل حدود تلك الدول يؤهله للحصول على العديد من المميزات التي تفوق ما كان يحصل عليه في موطنه الأصلي بعشرات، إن لم يكن مئات الأضعاف لذا نجد أن هناك ثمناً يستحق المغامرة وتكبد المخاطر في سبيل الوصول والاستقرار في تلك البلدان.
لقد اتخذت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية إجراءات صارمة تجاه هجرة الأيدي العاملة الأجنبية نظراً للآثار السلبية على دخول المواطنين بسبب تضاؤل فرص العمل المتاحة خصوصاً في الصناعات ذات المهارات المتدنية، كما أنه يقود إلى المزيد من الإنفاق الحكومي على البرامج التعليمية، الخدمات الصحية، والرعاية الاجتماعية.
منذ أواسط السبعينيات الميلادية أصبحت الدول النامية النفطية وجهة مفضلة للعمالة الأجنبية وذلك للسببين التاليين: أولاً سهولة إجراءات الهجرة وفي أحيان كثيرة غياب التشريعات التي تحكم نزوح الأيدي العاملة وانخراطها في سوق العمل، كذلك سهولة الالتفاف حول تلك القوانين بسبب الخلل الهيكلي في الأجهزة المنظمة للهجرة بحيث يكون هناك مجال للمتاجرة بتأشيرات الهجرة وتصاريح العمل. ثانياً: وجود دخل مرتفع يضاهي الفرص المتوافرة في الدول الغربية الغنية مع غياب الرقابة على جودة العمالة المستقدمة وبالتالي نجد بأن نوعية العمالة المهاجرة المتوافرة في أسواق الدول النامية النفطية هي عمالة غير ماهرة، عاطلة في بلدانها الأصلية وغير قابلة للتوظيف أصلاً نظراً لانعدام المهارات الأساسية وتدني الإنتاجية. يبدو ذلك جلياً بإمعان النظر في سوق العمل السعودي الذي تحول فيه المواطنون إلى أقلية مبعدة من سوق العمل في وجه زحف العمالة الأجنبية الرديئة التي أطبقت أحكامها على وظائف قطاع الأعمال. أتى مشروع السعودة، من الناحية النظرية على الأقل، كحل للتخلص من تلك العمالة التي اتضح بأنها عبء ليس فقط من الناحية الاقتصادية بل إذا أخذنا بالاعتبار النواحي الاجتماعية والأخلاقية، ناهيك عن ممارساتهم السافرة في الغش التجاري في ظل غياب دور الأجهزة الرقابية.
على الرغم من الانتقادات الموجهة لمشروع السعودة من حيث فعاليته في تقليص تعداد العمال الأجانب وإحلال المواطنين مكانهم في سوق العمل، إلا أن الإبقاء عليه ومحاولة إصلاحه ورفع كفاءته يبدو الخيار الأمثل لأنه على الأقل يبقي بصيص الأمل للباحثين عن عمل من المواطنين السعوديين. هنا يأتي السؤال: هل منح الجنسية السعودية للمقيمين الأجانب سياسة مثلى؟ بل إن التساؤل الأجدر بالإجابة، هل منح الجنسية للمقيمين يعتبر حلاً بديلاً لفشل السعودة؟ اعترف بأن ذلك الموضوع له العديد من الجوانب والانعكاسات المترتبة على التغيير الدائم للتركيبة الديموغرافية للمجتمع السعودي، إلا أن التركيز سوف ينحصر على الجوانب الاقتصادية.
إن من أهم العوامل المباشرة التي أفضت إلى إقصاء المواطنين السعوديين من سوق العمل هو التمييز العنصري ضدهم والانحياز الكامل لصالح المقيمين الأجانب، وذلك مرده إلى كون المالك الفعلي للنشاط التجاري طرفاً أجنبياً كنتيجة طبيعية لتفشي ظاهرة التستر التجاري التي يعترف بوجودها المسؤولون السعوديون. كما أنه في أحيان كثيرة يكون مدير النشاط أو المدير الموكل بالتوظيف شخص أجنبي يحبذ أبناء جلدته للعمل لديه على حساب حظوظ أبناء وبنات البلد في التوظيف. إلا أن الظاهرة الواضحة والجديرة بالملاحظة أن الجنسية الأصلية لمالك النشاط، أي قبل حصوله على الجنسية السعودية، تعتبر عاملاً حاسماً في تحديد نسق التوظيف في الأعمال التي يملكها أشخاص حاصلون على الجنسية السعودية مؤخراً. الأدلة في ذلك الشأن واضحة بمتابعة الأعمال التجارية التي يملكها مجنسون سعوديون، حيث يتضح من الملاحظة البسيطة أن الغالبية الساحقة ان لم يكن جميع الموظفين ينتمون للجنسية الأصلية لمالك النشاط مما يعكس نموذجاً صارخاً في أبشع صور التمييز العنصري ضد المواطنين السعوديين. وبالتالي فإن التوسع في منح الجنسية السعودية لمقيمين أجانب سيقابله زيادة في التمييز في التوظيف ضد المواطنين، حيث إن المجنسين سيتعمدون تفضيل أبناء جلدتهم، المنحدرين من جنسياتهم الأصلية، في أعمال القطاع الخاص التي يمتلكونها فعلياً اليوم وقانوناً غداً.
إن منح المقيمين الأجانب الجنسية السعودية لن يحل مشكلة التحويلات النقدية، بل على النقيض سوف تزداد وتستمر مما يترتب عليه تسرب الرساميل المتمثلة في حوالات العمال الأجانب. إن فشل التجنيس في تقليص تلك التسربات المالية مرده إلى نظرة الأجنبي المجنس إلى البلد كمكان للعمل والحصول على الدخل فقط في حين أن استثماراته وإنفاقه يتم في موطنه الأصلي. لقد حدثني بعض الأخوة عن رجال أعمال مجنسين يعيشون بصفة دائمة في مواطنهم الأصلية في حين يوكلون إدارة أعمالهم لمقيمين من أبناء جلدتهم مما يثير التساؤل عن جدوى منحهم الجنسية السعودية في المقام الأول.
بالنظر إلى نوعية العمالة الأجنبية الموجودة على الأراضي السعودية يتضح بأنها عمالة غير مؤهلة مقارنة بنوعية الأجانب الموجودين لدى الولايات المتحدة الأمريكية حيث نجحت الأخيرة في استقطاب العلماء والباحثين المتميزين الذين هم المحرك الرئيس للبحث العلمي في الاقتصاد الأمريكي. في الحين نفسه نجد أن نظام الاستقدام السعودي قد فشل في تمحيص نوعية العمالة لذا ليس هناك أي تمييز بين الشخص المؤهل وغيره، وبالتالي فإن نوعية الأيدي العاملة الأجنبية في الاقتصاد السعودي هي عمالة رديئة متواضعة الإنتاجية. الخطورة تكمن في أن أغلب هؤلاء الذين سيكونون قابلين للحصول على الجنسية السعودية هم أولئك الأفراد ذوو المهارات والخبرات المتدنية وبالتالي فإن مساهمتهم في التنمية الاقتصادية ستكون ضئيلة أو معدومة، بل وفي أحيان كثيرة سيشكلون عبئاً على الاقتصاد السعودي نظراً لقربهم من السن القانوني للتقاعد مما يتطلب إنفاقاً كبيراً على الخدمات الصحية والاجتماعية.
تشير العديد من الدراسات والتقارير الدولية إلى أن معدلات النمو السكاني السعودي مرتفعة بشكل كبير مما ينذر ببوادر انفجار سكاني في المستقبل نظراً لعدم وجود توافق بين الزيادة في عدد السكان والموارد الاقتصادية المتوافرة، خصوصاً الضرورية منها كالمياه إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك الزيادة الكبيرة في تعداد السكان السعودي، فإن منح الجنسية السعودية لمقيمين أجانب سيؤدي إلى تفاقم المشكلة في المستقبل القريب بدلاً من تأجيلها بعض الوقت. كما أنه يترتب على زيادة عدد السكان عواقب وخيمة من خلال تكبد الميزانية العامة أعباء إضافية تتمثل في المزيد من الإنفاق على مشاريع البنية التحتية وبرامج الصحة والتعليم والنشاطات الاجتماعية الأخرى لأجل خدمة المواطنين الجدد.
يؤثر منح الجنسية السعودية لمقيمين أجانب على رفاهية المواطن السعودي بشكل سلبي ومباشر من خلال زيادة الطلب على السلع المعمرة كالمنازل، حيث قدرت التقارير الأولية إلى أنه سيكون هناك ارتفاع في الطلب على العقارات السعودية بنسبة 20% تبعاً لقرار التجنيس الصادر مؤخراً. تلك الزيادة في الطلب تدفع بأسعار المنازل إلى الارتفاع مما يبدد أحلام المواطن السعودي، ليس فقط محدود الدخل بل ومتوسط الدخل كذلك، في امتلاك منزل يؤويه وعائلته.
أخيراً، ولعل أسطع برهان على خطورة وضرر تجنيس المقيمين الأجانب على المصالح الاستراتيجية العليا للبلاد هو مجرد إلقاء نظرة على عائلات تجارية كبيرة معروفة، تعود جذورها خارج السعودية، ولكنهم موجودون في هذه البلاد حتى قبل قيام الدولة السعودية ويحمل أفرادها الجنسية السعودية بالأصل وليس بالتجنس، ولكن مع هذا جميع الموظفين العاملين لديهم مستوردون من مواطنهم الأصلية. وأيضاً تقوم تلك العائلات بتوجيه جزء كبير من استثماراتهم إلى بلدانهم الأصلية والبقية تستثمر أو تودع في بنوك غربية، فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة لمن يفترض أنهم مواطنون أصليون فكيف سيكون الحال مع من يصبح مواطناً سعودياً بالتجنس.
وبالتالي إذا أخذنا بعين الاعتبار جميع تلك السلبيات على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، فيحق لنا أن نتساءل عن الدوافع الحقيقية وراء الانجراف تجاه تجنيس الأجانب في هذا الوقت بالذات؟ بل إن السؤال يجب أن يكون على النحو التالي: هل سوف تُستغل قوانين السماح بالتجنيس الجديدة اقتصادياً؟ أي بمعنى آخر من المتوقع أن تحل بيع الجنسيات محل تجارة تأشيرات استقدام العمالة التي كانت تُستغل أبشع استغلال من قبل المتنفذين، الذين هم قريبون من مراكز صنع القرار ويتخطون الأنظمة في الغالب.
إن القرارات المهمة، كقرار التوسع في التجنيس، لا بد أن تطرح للتصويت الشعبي Referendum كما هو الحال في الدول الديمقراطية المتقدمة حتى يقول المواطنون كلمتهم الحاسمة في هذا الشأن ولا سيما أن مثل تلك القرارات تمس حياتهم وتغير التركيبة السكانية لمجتمعاتهم. بل إن الجهة التي يجب أن تكون مخولة بالنظر في مثل تلك القرارات المصيرية هو وجود مؤسسة منتخبة تمثل القاعدة الشعبية تنفذ وتدعم ما ينفع الوطن والمواطنين وتقف حاجزاً وسداً منيعاً في وجه ما يضر بهما.

* أستاذ الاقتصاد المساعد - معهد الدراسات الدبلوماسية
mqahtani@ids.gov.sa

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved